إسرائيل.. فقدان البصيرة السياسية
التغييرات التى طرأت على الموقف الدولى -تحديداً دول المجموعة الأوروبية- بين الأيام الأولى التالية لعملية طوفان الأقصى، حتى أفاق العالم على بشاعة جرائم الكيان الصهيونى، هى تحول ملحوظ رغم أنه لا يرتقى إلى ما يُرضى الدول العربية -على رأسها مصر- فى مساعى التهدئة، أو المطلوب واقعياً من تدخل القوى الكبرى لإنهاء أبشع كارثة إنسانية تعرّض لها سكان قطاع غزة من المدنيين.
فى المقابل حالة الاستقطاب غير المسبوقة فى المشهد السياسى والشارع الإسرائيلى أفقدت قادة الأحزاب اليمينية المتطرّفة القدرة على ضبط حساباتهم بين شارع يغلى مطالباً إياهم إما بالاستقالة وإما إيجاد حل فورى لأزمة الرهائن، بالإضافة إلى الخسائر البشرية والاقتصادية التى تكبّدتها إسرائيل منذ سبعة أكتوبر 2023.
عُزلة إسرائيل غير المسبوقة دولياً عبر التاريخ بالتأكيد لم تأتِ من فراغ. بعدما فقدت إسرائيل كل مؤشرات البصيرة السياسية، ضحّت بكل حلفائها، باستثناء التزام الموقف الأمريكى بالانحياز الأعمى إلى إسرائيل، ورغم هذا الانحياز أعلن الرئيس الأمريكى بايدن ووزير خارجيته بلينكن مراراً عن رفض التصعيد وفكرة اقتحام مدينة رفح الفلسطينية، مع محاولة تهدئة المظاهرات والاعتصامات التى اندلعت فى معظم جامعات الولايات المتحدة فى سابقة لم تشهدها منذ حرب فيتنام.
ويمضى اليمين الإسرائيلى المتطرف فى مغامرات تحدى العالم، واهماً أن التمادى فى الوحشية واللعب على وتر إشعال المنطقة بالمزيد من صراعات لا ترغب بها القوى الدولية والعربية، تحديداً مع عدم التراجع عن التصعيد العسكرى فى رفح الفلسطينية وتداعياته الكارثية على استقرار المنطقة، بل حتى غاب عن وعى قيادات اليمين المتطرف أن إسرائيل نفسها لن تسلم من نيران هذا التصعيد ولن تنعم بالأمن أو الاستقرار، بعدما عاشت هذه القيادات وهم إبادة حماس، وهو هدف عجزت إسرائيل عن تحقيقه بعد أكثر من 200 يوم، يقامرون الآن على فكرة اجتثاث جذور وتاريخ شعب من أرضه.. وهم بدأت واشنطن فى محاولة اختباره مع الإعلان عن استعدادها لقبول عدد من اللاجئين الفلسطينيين.
دور مصر المحورى كان حاضراً بقوة منذ البداية حتى اللحظة الحاضرة، ومسارات التفاوض السياسى بين جميع الأطراف لم تنقطع.. وتدفّقت المساعدات الإنسانية والطبية.. وأقيمت مخيمات لإيواء اللاجئين داخل الحدود الفلسطينية. من جهة أخرى ظهر دور المفاوض المصرى واحتواء أجواء التعنّت بين الطرفين تحت ظروف فائقة الصعوبة والتوتر، ولعل آخر العثرات التى واجهت قُرب التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحماس بفضل جهود القيادة السياسية والدبلوماسية المصرية استهداف منطقة قُرب معبر كرم أبوسالم بقصف صاروخى أسفر عن وقوع عدد من القتلى فى الجيش الإسرائيلى، مما أعطى ذريعة لنتنياهو وباقى قادة اليمين المتطرف لمراجعة موقفهم من الاتفاق والتلويح مرة أخرى باجتياح رفح الفلسطينية.
آلة إعلام الجيش الإسرائيلى تعلن أنها وجّهت التحذيرات إلى سكان مناطق رفح الفلسطينية بالنزوح، لكن إلى أين؟! تزعم وجود مناطق آمنة بينما آلاتها العسكرية لم تستثنِ فى قصفها الوحشى المستشفيات، أو مقرات المؤسسات الإنسانية المختلفة، أو الهلال الأحمر الفلسطينى. فى المقابل ترفض إسرائيل دخول صحفيين أو مسئولى المنظمات الدولية إلى قطاع غزة، أو حتى التحقّق من أى مظاهر لحماية المدنيين فى حال ارتكاب إسرائيل حماقة التصعيد فى رفح الفلسطينية.
وأمام مجرد تصريحات مبهمة من إسرائيل إلى أمريكا ودول العالم بتقديم ضمانات حماية المدنيين، لم تقدم إسرائيل دليلاً واحداً يضمن حدوث هذا الالتزام الإنسانى والأخلاقى على أرض الواقع.
توقيت حاسم يفرض على المؤسسات الدولية كلمة حاسمة تضع حداً قاطعاً للجنون الإسرائيلى الذى لن تُجدى مع تداعياته تصريحات أو قرارات غير قابلة للتنفيذ من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن مع يد أمريكا المستعدّة دائماً بإشارة الفيتو.