ناصر عبدالرحمن يكتب: شجرة الصور .. طائر السماء
لا تندهش من عجوز فى عينيه فضول، ولا من صبى فى نظرته ذبول، ولا من هجر بعد عمر يطول، ولا من تجاهل وأنت تنتظر المدد، ولا من النت. ولا من المحمول، ولا من قاتل يتلقى العزاء، ولا من يقول الحب الحب والناس تسب، ولا من يقول الافتراء والناس تهلل، إن رأيت هذا الوقت، فلا تلتفت إلا لحبل ودك، لا تلتفت إلا لمن يحبك.
كل صباح يسمع الشاب صوت السماء، صوت طائر، أيام تمر والعلامة صوت الطائر، يعتاد الشاب على صوت الطائر كل صباح، فى يوم يقرر الشاب أن يدرك الطائر أن يراه وأن يمسك به، لماذا الحظ فى السمع وعندى نظر، لن أجعل السمع وحده، يستمتع بالطائر، أن أراه، أن ألمسه، أن أدرك الطائر فى جنته، ينام الشاب ويختفى صوت الطائر، كل صباح يبحث الشاب عن صوت الطائر، يتمنى أن يعود الصباح الذى كان يتملل، لا ينام، يواصل الليل بالنهار، يغمض عينيه لعله يسمع صوت السماء، ينكر كل ما تمناه.
الغياب بُعد والبعد شقاء وعذاب، تعب الشاب أصبح يتوهم صوت الطائر، حتى أدركه اليأس من عودة صوت السماء، وتجىء ليلة. يقلق الشاب، يقرر أن يخرج من بيته، فى الظلام. صدره يضيق، وفى همه يحاول أن يستنشق الهواء، ترك بيته، فلعل فى الخروج جديداً، ولعل السعى يزيل الغمة ويفك العقدة، لكنه لم يدر أن الطريق بحر وغيوم وسراب، حتى أصبح خارج الديار، لم يتعرف على شىء، ويجهل معانى الصور، أصبحت الكلمات ألغازًا، إذا تكلم لا أحد يسمعه، وإذا التفت لا يراه أحد، سكب العطر كله ولم يلتفت لعطره أحد، شرب من المالح والبحر لا يروى أحداً.
الليل يستر القلوب ويسحر النجوم، والتوهة من علامات الطريق، تاه الشاب فى سعيه، لم يدرك النهار، ولم يفرق بين الماء والسراب، ذنبه أنه لم يعرف أن السمع والبصر والإدراك داخله، ورث من سيده الرسالة، فحفظ الشهادة، فإن من حقائق الرسول النطق بالشهادة، يحاول أن يلتقط من الهواء دليلاً، نام من التعب، لم يدرك أنه فى قاع البحر، فى بطن الحوت، تمتزج به الأزمان، إنه زمن واحد، ومكان واحد، لا يوجد فى القلب إلا الرحمة، ولا يسع القلب إلا الرحمن، فسماء بلا مطر لا يعول عليها، وطريق بلا شيخ لا دليل له، فمن دل على الله صدق، فإن السعى يحقق الرجاء، والانتظار سنة العشاق، كلما هم سقط وكلما تحرك هبط، حتى أدركه الصباح، وهو فى القاع محاط بأسرار الحبال، لا يدرك صبحاً من ليل، وبعد اليأس نور وفرج.
والنور غير النهار يشرق ويغشى، والحب هبة بلا سبب، وبعد صمت طويل نسى الشاب نفسه الحائرة، وفرغ من الإجابة ومن الأسئلة، وفرغ من الأسباب كلها، يومه اختلف، أدرك نهاراً جديداً وليلاً ومعانى، ينام الشاب بدون تعب، وأصبح الوقت سبحة وهلّيلة، ومن جديد يأتى طائر السماء ويغرد، يسبح فوق سماء الشاب، يضىء قلبه كالمصباح، الطائر يغرد، حتى أتقن الشاب الغناء، حمد الله أن كل أرض لها سماء، كلما تعب يقلد صوت السماء، حفظ الشاب الرسالة حتى صارت حقيقته ومنطقه، غلبه النعاس، والناس نامت حتى إذا أحب وانتبه، وعلى ابتسامة شيخى انتبهت بنظرة «أن القلب وطن الأولياء».