الأميرة رشا يسري تكتب: الفسيخ.. من منظور مصري بين فلسطين وإسرائيل  

ثمة علاقة بين أكل الفسيخ وعيدى «الفطر» و«شم النسيم» فى مصر، وبينما اقترب عيد الفطر هذا العام من عيد شم النسيم، لاحت فى الأفق علامات استفهام حول مواسم أكل الفسيخ فى مصر، وعلاقاتها بأيام معينة فى العام.

المثير فى الأمر أن إخوتنا فى فلسطين المحتلة قد اجتمعوا معنا فى هذه العادة، تحديداً.. عادة أكل الفسيخ فى عيد الفطر المبارك.

وقد أجمع المؤرخون على أن الفسيخ هو طبق مصرى موسمى أصيل، وهو عبارة عن سمك مجفف مملح، يتناوله المصريون فى يوم شم النسيم، وهو أيضاً أشهر الأكلات فى فلسطين بالضفة الغربية والداخل المحتل وأيضاً فى قطاع غزة، إذ يتناوله الغزاويون فى عيد الفطر صباحاً بعد صلاة العيد كى يفتح شهيتهم بعد شهر من الصيام.

ثمّة علاقة بين الفسيخ وعيد الفطر، وبحسب تصريح لـ«شريف اليمانى»، صاحب أحد أبرز محلات بيع الفسيخ فى مدينة نبروه لوكالة «فرانس برس»، يتخوّف الصائمون من الشعور بالعطش حال تناولهم للفسيخ خلال شهر رمضان. وبناءً على ذلك يتلهفون لتناوله بعد الصيام.

لكن ما لم يقله بائع الفسيخ للوكالة الفرنسية أن ثمة ارتباطاً آخر لدى المصريين بتناول الفسيخ فى عيد الفطر، إذ يُعرف الشهر الكريم بأنه موسم الحلويات، والسكريّات، والتمر، ولذلك يجد المصريون أنفسهم فى شوق أو احتياج إلى الملح، ولا يوجد أكثر من الفسيخ كطعام غنى بالأملاح، التى هى مكوّن أصيل فيه.

وعلى ذلك امتد الفسيخ من وجبة ارتبطت فقط بأعياد شمّ النسيم فى مصر، إلى وجبة ارتبطت بعيد الفطر المبارك، واجتمع فيها مع الشعب المصرى شعبنا الفلسطينى الشقيق.

ولذلك قد لا يبدو غريباً أن ظاهرة طوابير المصريين أمام محلات بيع الفسيخ، فى القاهرة والمحافظات مع انتهاء ساعات صوم اليوم الأخير من شهر رمضان، يوجد مثلها فى مدن الضفة الغربية والداخل الفلسطينى المحتل وقطاع غزة، فعادة أكل الفسيخ يتوارثها الفلسطينيون بالضفة وغزة عن آبائهم وأجدادهم، حتى إن إعداد سمك الفسيخ كوجبة إفطار رئيسية صباح عيد الفطر السعيد هى أحد أهم طقوس الفلسطينيين فى أول أيام عيد رمضان المبارك.

إن طريقة صنع الفسيخ فى فلسطين تختلف من بيت لآخر، فمن الناس من يخزنه لفترات طويلة ويأكله نيئاً، ومنهم من يقليه بالزيت ويعد إلى جواره صلصة الطماطم مع البصل والفلفل الحار، غير أن تمليح السمك وتخزينه لفترات طويلة نسبياً وتناوله نيئاً هى الطريقة الأساس التى نقلت إلى فلسطين من مصر التى اشتهرت بأكل الفسيخ منذ ما قبل عصر الأسرات فى عيد شمّ النسيم.

وتتباين وجهات نظر المؤرخين حول مظاهر وبداية احتفال المصريين بعيد شم النسيم وطقوسها المتعددة. فهناك من يرجح أن بدايته تعود إلى فترة ما قبل الأسرات، ومنهم من يعتقد أنه بدأ منذ عهد الأسرة الثالثة. ومع ذلك، ذكر المؤرخ اليونانى هيرودوت، الذى زار مصر فى القرن الخامس قبل الميلاد، أنه شاهد المصريين يتناولون السمك المملح -الفسيخ- ويخرجون لشم النسيم فى ذلك اليوم.

إلى ما سبق فإن ثمة علاقة بين احتفال المصريين بهذا العيد، وعيد الفصح عند اليهود، فقد كان وقت خروجهم من مصر فى عهد النبى موسى مواكباً لاحتفال المصريين بعيد شم النسيم، وقد اختار اليهود ذلك اليوم بالذات لخروجهم من مصر حتى لا يشعر بهم المصريون أثناء هروبهم حاملين معهم ما سلبوه من ذهب المصريين وثرواتهم، لانشغالهم بالاحتفال بعيدهم.

لقد اتخذ اليهود ذلك اليوم عيداً لهم، لكنّهم فى هذا اليوم لا يأكلون الفسيخ مثلنا، إنما يأكله معنا ومثلنا إخوتنا فى فلسطين.