الثورة التشريعية.. ثورة ينبغى أن تحدث

سهير جودة

سهير جودة

كاتب صحفي

إذا عبرت مصر نفق الاقتصاد وتخلصت من عبء الفقر وأمراضه وإذا غيرت ثقافتها وارتدت أثواب التنوير وحلى المعرفة. إذا أنجزت مصر كل هذا الإنجاز ولم تنسف منظومتها التشريعية الحالية، فلن يكون للوطن توازن، ولن يكون بخير. الحالة التشريعية بوضعها الراهن أحد مصادر الإحباط الكبرى، إنها حالة تؤدى إلى فقد شهية التخطيط لأى مشروع، أما إذا كان المواطن من التعساء الذين قادتهم أو أجبرتهم الظروف للتعامل مع القوانين والمحاكم والنيابات، فقد أصبح كائناً فاقداً لمعانٍ كثيرة. فى تعاسة المنظومة التشريعية، الضرر للجميع: قاضياً ومتقاضياً، وخلل هذه المنظومة يعرّى الوطن ويهزم المواطن ويجعله بائساً وهل يمكن لمواطن يعانى شرور الظلم والعدالة البطيئة المميتة أن يراهن على عطائه وحماسه وإيجابيته؟ أفعال وزراء العدل الذين جاءوا فى السنوات الأخيرة تؤكد أنهم لا يعنيهم العدل، وليس لديهم استعداد لتغيير هذه المنظومة، وبالتالى لم نرَ أى مبادرة أو حتى إعلان نوايا من أى وزير جاء ليبقى الحال كما هو عليه، وليزداد البؤساء فى هذا البلد بؤساً على بؤس، وظلماً على ظلم. لم يلتفت أى وزير إلى قوانين إجراءات التقاضى القاتلة ببطئها، وربما لم يصل إلى أى وزير المعلومات التى تؤكد كيف سبقتنا دول الخليج بقضاة أغلبهم مصريون بمراحل كبيرة، وكيف رسخت التقاضى الإلكترونى الذى يحفظ للمواطن آدميته، ولا يهدر وقته أو ماله أو احترامه، بينما ما زالت القوانين فى مصر تؤكد إعلاء قيم الإهانة والمهانة وإهدار الإنسانية والوقت والجهد مع سبق الإصرار والترصد والاستمرار. لم يخطر ببال أى وزير كارثة قوانين الحبس الاحتياطى، وكيف يخلق تطبيق هذه القوانين مناخاً محملاً بكل رياح الظلم وأتربة الفساد وعواصف الامتهان، ولماذا لا يجرؤ وزير العدل على العمل بقانون 145، وهو قانون التدابير الاحترازية الذى صدر عام 2006 بديلاً للحبس الاحتياطى، فهناك مادة 201 من الفقرة الأولى لهذا القانون ما زالت مهملة، فلماذا لا يطبقها النائب العام، ولماذا لا تأخذ بها المحاكم؟ وهذا تعديل جوهرى وإنسانى ولكن ما زال وكلاء النيابة لا ينظرون إلى هذا القانون، فهم يتعاملون مع الحبس الاحتياطى على أنه عقوبة، بينما مصلحة المجتمع استخدام مادة موجودة والحبس الاحتياطى ليس عقوبة، ولكنه تدبير شُرع لمصلحة التحقيق، فلماذا تمتنع النيابات بالأخذ بهذا القانون، ولماذا تهمل دوائر التجديد هذه المادة، ولماذا لا تصدر تعليمات من النائب العام بتطبيقها بدلاً من مهانة وكوارث الحبس الاحتياطى الذى يعامل المواطن الظالم والمظلوم والمجرم والضحية بنوايا الإدانة وبأفعال تؤكد أن القانون يفضل أن يسحق البشر، ويسحب منهم كل أرصدة العدل ويبقيهم أثرياء بالظلم؟ منظومة التشريع فى مصر صخرة صلبة يصطدم بها الوطن، فهى أداة تعجيز ويصطدم بها المواطن ويفقد عليها الإحساس بقيمة العدل أو بوجوده أصلاً. من القضايا الأصغر إلى الأكبر، من التنمية إلى الاستثمار، من أخطاء الأطباء وصولا إلى كل المهن فى كل القطاعات المعاناة جماعية والخذلان هو الشعور الجمعى، فيوم العدالة بسنة وربما أكثر سنة أو سنتين مع الاستنزاف الإنسانى والمادى. نسف منظومة التشريع الحالية لا بد أن تكون أولوية قصوى والقوانين التى تخص المجتمع والناس لا بد أن تأتى أولاً قبل القضايا السياسية. المواطن الذى يعيش بيقين الظلم عند اللجوء إلى القانون هو مواطن لا نطلب منه الإيمان بالوطن، فهذه المنظومة قادرة بعون تعاسة القانون على فقده إنسانيته. الثورة التشريعية هى التى تجعلنا نصدق أننا نمتلك قضاءً وقانوناً يلوذ به الناس جميعاً، ويحترم آدميتهم، ولا يقدم الظلم والإدانة أولاً ودائماً. عندما انهارت فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، قال «شارل ديجول» لو كان التعليم والقضاء بخير، ففرنسا بخير، فلا بد أن يكون التعليم والتشريع أولوية مصر. مجتمع بلا عدالة، طموحاته خلفه.