العمالة العائدة من "أراضي الموت".. أحلام تحطمت ومستقبل غامض

كتب: محمود عباس وآية الواحي

العمالة العائدة من "أراضي الموت".. أحلام تحطمت ومستقبل غامض

العمالة العائدة من "أراضي الموت".. أحلام تحطمت ومستقبل غامض

خرجوا من وطنهم إلى أرض غريبة لا تلتقي فيها أعينهم بأناس تعودت رؤياهم، يبحثون عن باب رزق جديد يضمنون به بناء مستقبلهم إلا أن هذه الأرض البعيدة تتحول من مصدر للقمة العيش إلى بؤرة موت حقيقية تكثر فيها الرصاصات والقنابل الناسفة والجماعات المسلحة، ليقررون العودة من حيث أتوا حامدين الله على سلامتهم، غير عابئين بخسارة أو انكسار أو شبح جديد ينتظرهم فور الرجوع إلى أرض الوطن. "بشرى رؤوف مرشد"، أحد العمال المصريين الذين يمثلون نموذجًا حيًا للذين دفعوا ثمن الصراعات والتوترات الأخيرة في ليبيا، قائلًا: "أنا سافرت ليبيا في يناير 2014، واختارتها لإنها كانت مكان قريب بالنسبة لي، ومصاريفها خفيفة وأقدر أكل منها لقمة عيش حلوة، وكنت بشتغل في محل ملابس جاهزة بتاع واحد مصري هناك، وكانت الدنيا ماشية كويس لحد يوم 21 فبراير اللي اتقتل فيه المسيحيين، وقررت مع مصريين تانيين إننا نرجع بلدنا فورًا". رحلة عودة المصري الثلاثيني إلى مصر لم تتدخل فيها الحكومة، بل اختبأ عن طريق أحد أقاربه، بمكان قريب من مطار "طبرق"، انتقل منه إلى مطار "بني غازي"، واستقل أول طائرة قادمة إلى القاهرة، لتبدأ رحلة شقاء أخرى، "من ساعة ما رجعت مصر ورجلي دابت من كتر التدوير على الشغل، وتواصلت مع وزارة القوى العاملة اللي في مدينة نصر، وجهزت كل الورق اللي طالبينه من بطاقة لمؤهل لشهادة ميلاد، لكن محدش عملي أي حاجة لحد دلوقتي". الشاب الثلاثيني الحاصل على شهادة المعهد الفني التجاري، عرف أن تصريحات وزيرة القوى العاملة ناهد عشري، بتوفير فرص عمل للمصريين العائدين من ليبيا، مجرد سحابة صيف لامتصاص غضب الرأي العام وقتها، فقرر أن يبحث عن عمل مؤقت لحين الحصول على وظيفة مناسبة، "أنا بشتغل في مكتب بيع منتجات بالجملة، وما بقبضش غير 800 جنيه ما بيكفوش أي حاجة، وانا واحد داخل على جواز ومحتاج مصاريف كتير، وبيصعب عليا حالي لما افتكر إن بقى عندي 30 سنة". "يوم زي أي يوم وما بيمثليش أي حاجة"، رد تلقائي قاله "بشري" حينما تذكر احتفالات الدولة بعيد العمال التي توافق اليوم، مضيفًا: "إحنا أي يوم بيعدي علينا كويس بنعتبره عيد، ونفسنا بس البلد تاخد بالها مننا وتخلينا نعرف نصرف على نفسنا". خالد جابر، أحد المصريين العائدين من اليمن يجسد مأساة جديدة لشخص كان مديرًا لأحد الفنادق بعدن، وتم قصف مقر عمله وتدميره بالكامل على خلفية الصراعات الأخيرة التي شهدتها البلاد، "انا كنت رايح اليمن تبع شركة إدارة فنادق هنا في مصر، ولما حصل اللي حصل قررت أرجع مصر عن طريق ترتيبات خاصة، وكنت في القاهرة يوم 5 أبريل اللي فات". المأساة الحقيقية التي واجهت "جابر"، بعد عودته لمصر كانت إلحاق أبنائه بإحدى المدارس وخوض الامتحانات بدلًا من ضياع عام دراسي عليهم، "أنا لفيت مدارس البلد كلها لحد ما في واحدة قبلت إن ولادي يعملوا معادلة ويمتحنوا، لكن مش عارف أقدم لهم في أي مدرسة عشان السنة الجاية، وده بسبب إن وزير التعليم ما أصدرش قرار بإلزام كل المدارس بقبول الطلبة المصريين اللي رجعين من اليمن زي ما عمل مع اللي رجعين من ليبيا". شهر كامل مر على عودة "جابر" إلى مصر دون أن يجد عملًا جيدًا يكفي لمصروفات أسرته، "أنا حاولت أرجع الشركة اللي كانت بعتاني لليمن، لكن قالولي أدور على مكان تاني"، لم يحاول اللجوء للدولة لارتباط عمله بالقطاع الخاص الذي لا حول للحكومة فيه ولا قوة، قائلًا: "الحاجة الوحيدة اللي ممكن القوى العاملة تعملها معانا هي التعويضات اللي بيتقال إن المصريين العائدين هيخدوها من دول الخليج اللي كانوا فيها نظير الأضرار اللي حصلت لهم، وأدينا مستنيين".