بالصور| «الوطن» تنشر تفاصيل الكتاب الذى أهداه السيسى إلى عدلى منصور

بالصور| «الوطن» تنشر تفاصيل الكتاب الذى أهداه السيسى إلى عدلى منصور
«كان من حُسن حظ مصر أن يقدِّر لها الله عزَّ وجل النجاة من الانهيار والتغلب على الأخطار فى مرحلة فاصلة، حيث جاء المستشار عدلى منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، كرئيسٍ مؤقت للجمهورية، وفقاً لخارطة الطريق التى أقرها الشعب لحين انتخاب رئيسٍ جديد، فكان له أن يعيد أواصر المواطنين التى تهتكت، وأن يحافظ على وحدة الوطن، ويعيد لمؤسسة الرئاسة هيبتها واحترامها.. ولقد نجح فى فترة وجيزة فى إنجاز ذلك بكل إخلاص وتجرُّد ونزاهة، ولم يتردد فى التضحية بنفسه من أجل الحفاظ على كيان الدولة ووحدة الشعب. ولقد لبَّى النداء، فلم يخذل أحداً من الذين وضعوا آمالهم فيه، بل إنه اكتسب ثقة غيرهم كانوا قد فقدوا الثقة فى الجميع».
هكذا قال الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، فى مقدمة كتاب «عدلى منصور رئيساً لمصر» الذى أصدرته المكتبة مؤخراً فى طبعة فاخرة، تكريماً وعرفاناً للرئيس السابق الذى أدى المهمة الوطنية الملقاة على عاتقه بكل تجرد ونزاهة واقتدار.
قال «سراج الدين» فى مقدمة الكتاب: «كان أغلب المصريين قد يئِسوا من وجود رئيس على رأس الدولة زاهد فى الحكم، طاهر اليدين يسعى إلى مصالح الناس وصالح البلد لا مصالحه أو مصالح من حوله، ينتصر لإرادة الشعب، ويرعى الضعفاء والفقراء قبل الأقوياء والأغنياء، يعيد نعمة الأمن على الناس التى ضاعت وانتُهكت؛ فلم يكن أحد يأمَن على شىء أو على نفسه، فتمكن الرئيس الجديد فى فترة وجيزة أن يعيد قيماً كادت تضيع ومبادئ سامية طُرحت جانباً؛ وهى قِيم ومبادئ احترام الإنسان والالتزام بالقانون والعمل والبناء والاستقرار، ويعيد لمصر مكانتها، ويحرص على التعاون بينها وبين غيرها من الأمم».
ولم يكن يصلح لهذه المهمة الصعبة فى مرحلة انتقالية عصيبة، حسب المقدمة، «إلا حاكم عادل، قاضٍ وقف فى ساحات القضاء فأدرك معنى الظلم وبشاعته، رئيس زاهد فى الحكم والشهرة.. فجاء المستشار عدلى منصور فدائيًّا فى معركة إنقاذ مصر منتصراً لإرادة الشعب. ولقد طالت المدة وزادت الأعباء، ولكنه جابه التحديات، وتحمل المسئولية على أكمل وجه ولم يتهاون لحظة؛ حيث ظل يغرس ويبنى ويشرِّع حرصاً على العطاء ومصلحة البلاد، إلى أن سلَّم الراية لرئيس انتخبه الشعب هو الرئيس عبدالفتاح السيسى فى انتخابات عمل المستشار عدلى منصور على أن تكون نزيهة وشفافة ثم وقَّع على وثيقة تسليم السلطة لخلفه، فى سابقة ديمقراطية حضارية تعطى دروساً وتبعث برسائل إلى من بالداخل والخارج. هكذا يقول التاريخ كلمته، ويسجِّل بمدادٍ من ذهبٍ، الرئيس منصور ضمن من أسهموا بكرامة وشجاعة فى طى صفحة مظلمة فى حياة بلدنا وفتح آفاق جديدة لمستقبل مصر».
ينقسم الكتاب الصادر فى نحو 600 صفحة، بالإضافة للمقدمة، إلى عدة فصول منها «عدلى منصور.. السيرة والمسيرة» و«عدلى منصور.. الثورة والتحدى» و«الرئيس فى عام 2013» ثم «الرئيس فى عام 2104»، تليها «كلمة عرفان» كتبها الشاعر فاروق جويدة، ثم مقال بعنوان «الرئيس السادس» للكاتب والإعلامى أحمد المسلمانى، تليها ملاحق تسجل فترة حكم «منصور» بالصور.
ويعد الكتاب سجلاًّ وثائقيًّا مصوراً لأبرز الأحداث واللقاءات التى عقدها عدلى منصور خلال فترة رئاسته، حيث يتضمن النص الكامل لخطابه الأخير؛ «خطاب الوداع»؛ الذى يعتبر وثيقة تاريخية شاملة لكل معانى الوطنية؛ والذى تضمن التحية للشهداء ولشعب مصر الذى نجح فى أولى خطوات البناء بانتخاب رئيس جمهورية جديد.
ويسجل الكتاب الذى افتتح بعبارة ذات دلالة للرئيس السابق قال فيها «انتهى عصر عبادة الحاكم وصناعة الطغاة، 30 يونيو تصحيح لمسار الثورة وللشباب فضل المبادرة والقيادة»، فترة تولى «منصور» حكم مصر خلال المرحلة الانتقالية المؤقتة.[FirstQuote]
ووفق الصفحات الأولى من الكتاب، ولد «منصور» فى 23 ديسمبر عام 1945 فى أسرة بسيطة ترجع جذورها إلى الريف والصعيد معاً، فالأب من أبناء المنوفية، والأم من بنى سويف، كما أنه نجل عالم أزهرى كان يعمل فى وزارة الأوقاف، وهو الشيخ محمود منصور الذى توفى وعمر ابنه «عدلى» 13 عاماً.
والتحق «منصور» بمدرسة «السلاح الابتدائية»، ونظراً لتفوقه العلمى أدى امتحان الشهادة الابتدائية عندما كان فى السنة الرابعة، ثم التحق بمدرسة «الحلمية الجديدة الإعدادية» وكان عمره 10 أعوام فقط.
واشتهر بين الطلاب والمعلمين ببراعته فى اللغة العربية منذ صغره، حيث اختير آنذاك لإلقاء كلمة فى وداع أحد معلمى المدرسة عند نقله إلى مدرسة أخرى. وعلى الرغم من أن الحفل كان مزدحماً بالمتحدثين إلا أن «منصور» أصر على إلقاء كلمته، التى دمعت أثناء إلقائها أعين الحضور من فرط بلاغتها وصدقها، ثم استكمل الصبى النابه المرحلة الثانوية، ومنها إلى دراسة القانون.
التحق «منصور» بكلية الحقوق ليحصل منها على ليسانس الحقوق عام 1967، وكانت نكسة 5 يونيو سبباً فى تأجيل امتحان مادتين من المواد الدراسية فى الكلية، كما كانت هذه الهزيمة سبباً فى يأس «عدلى» فيما يبدو، إذ حصل على تقدير «جيد مرتفع» بنسبة 73%. كما حصل على «دبلومة الدراسات العليا» فى القانون العام من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1969، ثم دبلومة الدراسات العليا فى العلوم الإدارية من نفس الكلية، ليستكمل مشواره العلمى.
واختارته «القوى العاملة» للعمل بها ومنها انتقل إلى إحدى شركات القطاع العام ولكنه لم يكن يرى نفسه إلا جالساً على منصة القضاء، فتقدم للعمل بالنيابة العامة، ولسبب ما استبعد «منصور» من قائمة المقبولين، إلى أن أعلن مجلس الدولة على حاجته لتعيين مندوبين مساعدين فأدى الاختبار، وكان الأول ضمن 10 اختيروا للتعيين فى المجلس، بعد فترة من التأخير بسبب خلاف بين رئيس مجلس الدولة ووزير العدل وقتها.
وتم تعيين «منصور» مندوباً مساعداً بمجلس الدولة فى عام 1970، وتدرج فى المناصب إلى أن وصل إلى درجة نائب لرئيس المجلس. وسرعان ما اكتسب الرجل شهرة كبيرة كقاض جليل، الأمر الذى جعل العديد من المؤسسات الحكومية المصرية تستعين به، ومنها وزارة الخارجية، والأمانة التشريعية لمجلس الوزراء والمركز القومى للبحوث، فقد التحق بالعمل عضواً فى إدارة الفتوى والتشريع برئاسة الجمهورية عام 1970، ثم التحق بالعمل عضواً فى إدارة الفتوى والتشريع لوزارتى التربية والتعليم، والتعليم العالى، ثم عضواً بإدارة الفتوى والتشريع لوزارتى الخارجية والعدل، وفى خلال هذه الفترة حصل على منحة دراسية فى معهد الإدارة العامة بالعاصمة الفرنسية باريس، وبعد عودته التحق بالمكتب الفنى لرئيس مجلس الدولة، ثم عضواً بإدارة الفتوى والتشريع لوزارات الأوقاف والصحة والشئون الاجتماعية وشئون الأزهر.
وفى عام 1992 عُين نائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وتم ندبه للعمل بعدة وزارات كمستشار قانونى، منها الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ثم إعارته مستشاراً قانونياً لوزارة التجارة السعودية خلال الفترة من 14 ديسمبر 1983 حتى 19 أبريل 1995.
ووافقت الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا فى 19 مايو 2013 على تعيين «منصور» النائب الأول لرئيس المحكمة، رئيساً لها، خلفاً للمستشار ماهر البحيرى الذى انتهت فترة رئاسته فى 30 يونيو من نفس العام لبلوغه السن القانونية، وذلك بعد تعديل قانون المحكمة بالمرسوم بقانون رقم 48 لسنة 2011 الذى نص على أن يُعين رئيس المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية من بين أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة بعد موافقة الجمعية العامة.
ولعل القدر هو الذى رسم للمستشار «منصور» هذه المسيرة الحافلة للتعرف على طبيعة عمل هذه المؤسسات عن كثب، حتى تم عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى، فتولى «منصور» مهمته الوطنية رئيساً مؤقتاً للبلاد حتى تم انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى.
وتطرق كتاب «عدلى منصور رئيساً لمصر» إلى خطاب «منصور» الذى شدد فيه على أولوية التنوير والارتقاء بالذوق العام وتجديد الخطاب الدينى والاهتمام بالفنون والآداب والإبداع والاهتمام بالمرأة المصرية وضرورة تمكينها، كما أثنى على دور الأقباط، مؤكداً أنهم نسيج أصيل فى المجتمع المصرى، وأكَّد العدالة الاجتماعية واحترام القضاء وعلى حقوق الإنسان والحريات فى سبيل نهضة مصر.
وكان من أهم أولويات «منصور» بعد توليه الرئاسة، العمل على لم شمل أطياف المجتمع المصرى، الذى كاد حكم «الإخوان» أن يقسمه شيعاً وجماعات، فحث الجميع على ضبط النفس، والخوف على الوطن والعمل على تأمينه فى ظل كل ما يحيط به من تحديات جسام.
وأصدر «منصور» فى بداية فترة حكمه عدة قرارات جمهورية، كان لها الأثر الأهم فى لم شتات الواقع السياسى المصرى، منها إصدار إعلان دستورى بحل مجلس الشورى فى 5 يوليو 2013، بالإضافة إلى القرار الجمهورى القاضى بتشكيل «لجنة الخمسين» لوضع الدستور الجديد، لكى تستكمل الدولة المصرية تنفيذ «خارطة الطريق».
ولعب الرئيس المؤقت دوراً كبيراً فى سبيل تأمين الاعتراف العربى والدولى بشرعية الحكم الجديد فى مصر، بعد سقوط نظام «الإخوان، من خلال دعم العلاقات المصرية - العربية، وفتح آفاق جديدة للتعاون مع العديد من دول الوطن العربى الشقيقة، فاستقبل وفداً إماراتياً رفيع المستوى، لتدعيم أواصر العلاقات الثنائية بين البلدين فى كل المجالات، وأعلن الجانب الإماراتى وقتها عن تقديم منحة لمصر قدرها مليار دولار، بالإضافة إلى وديعة فى «البنك المركزى» دون فائدة قيمتها 2 مليار دولار، فضلاً عن تقديم دعم عينى من المواد البترولية لحل أزمة الطاقة فى البلاد آنذاك».
وعلى المستوى الدولى، استقبل «منصور» خلال فترة رئاسته عدداً كبيراً من المسئولين الأوروبيين، ومنهم جيدو فيسترفيلى، وزير خارجية ألمانيا. وتناول اللقاء معالم المرحلة الانتقالية ومسار المصالحة الوطنية، والجدول الزمنى لـ«خارطة الطريق». كل هذه الأنشطة واللقاءات مكنت مصر من تدعيم علاقتها الأوروبية والعربية بشكل كبير، وهو ما مكّن البلاد من تجاوز هذه المرحلة العصيبة التى مرت بها آنذاك.
أما على المستوى الداخلى، فقد عمل «منصور» من أجل كسب كل فئات المجتمع المصرى ليكونوا جنوداً فى معركة التحدى، فقال فى ذكرى «العاشر من رمضان»: «إننا نخوض معركة الأمن حتى النهاية ونحافظ على الثورة ونبنى الوطن، والخوف لن يأخذنا ولا الفزع، فمصر تمر بمرحلة حاسمة نريدها مقدمة للاستقرار وطريقاً للأفضل، وهى ستعبر أزمتها الراهنة لأن الله معنا دائماً ولأن شعبها وجيشها فى رباط إلى يوم الدين، ولأن أعداءها انكسروا على الدوام وخرجوا من التاريخ فيما بقيت هى تتحدى الشر وتقلبات الزمن».[SecondQuote]
وهكذا، كان لزاماً على الرئيس المؤقت أن يلتقى فئات كثيرة من الشعب المصرى، فاستقبل وفوداً عن جميع النخب، من المعلمين والأطباء والصحفيين وغيرهم، كما عمل على دعم أواصر المحبة بين عنصرى الأمة من مسلمين وأقباط، من خلال زيارته التاريخية للبابا «تواضروس الثانى»، فى مقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لتقديم التهنئة بعيد الميلاد، فى سابقة هى الأولى فى العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والكنيسة.
ورداً على هذه اللفتة الطيبة، قالت الكنيسة الأرثوذكسية فى بيان لها، وقتها: «سعدنا فى هذا الصباح المبارك بزيارة المستشار عدلى منصور رئيس الجمهورية، وقد كانت زيارة طيبة، تحمل كل مشاعر المحبة والود والتآخى».
وانصب اهتمام «منصور» خلال عام 2014 على دفع عجلة التنمية فى البلاد إلى الأمام، ودعم الاقتصاد الوطنى بكل السبل، فنظر إلى هذا التحدى بنظرة العالم والمفكر الذى يبحث عن توفير أساليب النجاح لجميع أجهزة الدولة، حتى تتواكب مع متطلبات الفترة الانتقالية، ومع حجم التحديات الماثلة أمام المصريين فى تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ البلاد.
ودعماً للاقتصاد المصرى، وافق «منصور» على الاتفاق الموقع فى القاهرة بين الحكومة والشركاء الأوروبيين فى مجالات تنمية البنية التحتية، ومن هؤلاء الشركاء «الوكالة الفرنسية للتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبى والمفوضية الأوروبية، وبنك التعمير الألمانى، ووزارة الدولة للشئون الاقتصادية السويسرية»، سعياً إلى تحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحى ضمن المرحلة الثانية من الاتفاقية بمبلغ 209 ملايين يورو.
وعلى الرغم من هذه التحديات السياسية والاقتصادية الجسام التى واجهها الرئيس المؤقت، فإنه لم يغفل يوماً عن النشاط الثقافى، فقد افتتح الدورة الخامسة والأربعين لـ«معرض القاهرة الدولى للكتاب»، ولم ينس الفن والفنانين، فأعاد الاحتفال بـ«عيد الفن» الذى طالب فيه الفنانين بأن يعيدوا مصر مرة أخرى إلى صدارة الدول العربية، من خلال استثمار «قوتها الثقافية الناعمة».
وكان من بين الكلمات القوية التى أثرت فى وجدان الفنانين خلال الاحتفال بـ«عيد الفن» أن «المصريين الذين اعتادوا الغناء فرحاً وحزناً، والشعر هجاءً ومدحاً سيظل الفن مكوناً أساسياً فى هويتهم وحياتهم، مكوناً ثرياً ومتنوعاً فى شتى ألوانه. ولقد تميز العطاء الفنى المصرى بأنه عطاء متوارث يسلمه جيل إلى جيل من الفنانين والمبدعين، فالإبداع المصرى فى شتى مجالاته، ومختلف ضروبه، لا ينضب أبداً. وإذا كانت مقتضيات الحداثة واختلاف السياق التاريخى والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن التطور التكنولوجى فى مجال الإنتاج الفنى، تحتم مسايرة مقتضيات العصر والانخراط فى ركب التطور والتقدم، إلا أن هذا التطور لا يجب أن ينسينا أن لمصرنا العربية والإسلامية منظومتها القيمية النبيلة التى يتعين الحفاظ عليها والانتماء إليها، فهى لا تضع قيوداً أو تفرض شروطاً على إبداعنا بقدر ما تراعى عادات وتقاليد مجتمعنا لتكسبه مذاقه المتفرد وسماته المميزة».
وأجريت فى عهد «منصور» الانتخابات الرئاسية التى أصبح بموجبها الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى قائداً للبلاد. وفى خطاب مؤثر أطلق عليه «خطاب الوداع»، تحدث «منصور» إلى جموع المصريين بعد انتهاء فترة رئاسته المؤقتة، فوضع الرجل النقاط على الحروف، وجمع هموم الشعب المصرى وشواغله آنذاك، فأوعى، ووضع الجميع «فى الصورة».
قال «منصور» فى «خطاب الوداع» باكياً: «أوجه حديثى إليكم اليوم مودعاً.. بعد أن شرفت برئاسة جمهورية مصر العربية ما يناهز العام.. عامٌ من المسئولية الجسيمة.. والأمانة الكبيرة.. لم أكن أتصور يوماً وأنا فى صفوف الجماهير.. وطأة العبء.. وحجم التحديات.. وصعوبة الـمهمة.. أن تكون مسئولاً عن بلد بحجم مصر.. التى كما تتطلب أداءً رئاسياً.. يتناغم مع عظمة تاريخها.. ويتفاعل مع واقع حاضرها.. ويخطط لقادم مستقبلها.. فإنها تفرض أيضاً أن يكون جاداً ودؤوباً.. مخلصاً وأميناً.. يواجه مشكلات الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى.. ويدبر الموارد اللازمة للتغلب عليها.. ويحشد الطاقات.. التى تعمل على تأمين مستقبل هذا الوطن وأبنائه.
«الإخــوة والأخــوات.. شعب مصر العظــيم.. اسمحوا لى فى البداية.. أن أهنئكم على وعيكم السياسى.. وحسكم الوطنى.. وشعوركم الرفيع بالمسئولية.. لقد أثبتم أنكم أهلٌ لهذا الوطن العظيم.. كما برهنتم أنكم تدركون قدر وخطورة ما يواجهه من تحديات.. تعلمون متى تتحدون.. وتتحد كلمتكم.. مرةً أخرى.. تبهرون الجميع.. شعباً ودولةً.. لقد أنجزتم الانتخابات الرئاسية على الوجه الأكمل.. ويقينى أنكم ستنجزون ما تبقى من استحقاقات خارطة مستقبلنا على ذات النحو المشرف.. لتبدأوا مرحلة البناء المقبلة. إننى كمواطن مصرى فخورٌ بهذا الإنجاز الكبير الذى قمتم به.. فخورٌ بوعى وتصميم وصلابة هذا الوطن وشعبه.. شكراً لكم.. نحن جديرون بهذا الوطن وحضارته.. وإننى لعلى ثقة فى أننا سنستعيد مكانتنا ودورنا الرائد فى مستقبل قريب جداً.. شكراً لشعب مصر العظيم.. على هذه المشاركة الواسعة على الرغم من أن هذا الاستحقاق الانتخابى هو السابع فى سلسلة طويلة من الاستحقاقات الانتخابية.. منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير. وشكراً للدولة المصرية ومؤسساتها التى حافظت على عهدها بالحيادية والبقاء على مسافات متساوية من المرشحين.. شكراً لكل من أسهم فى إنجاح هذا الحدث الوطنى.. شكراً للحكومة التى أسهمت فى خروج هذا الإنجاز المهم بهذا الشكل الرائع.. سواء على المستوى التنظيمى أو الأمنى.
«إن تولى رئاسة مصر.. وحتى بدون الظرف التاريخى الراهن.. مهمةٌ عظيمةٌ.. تستمد عظمتها.. من عظمة هذا البلد.. الرائد فى محيطه الإقليمى على مر العصور.. ملتقى الأديان السماوية.. معبر الأنبياء.. مهد الحضارة.. منبع الفنون.. وبهاء العمارة.. عبقرية المكان.. مركز العالم.. وهمزة الوصل بين قاراته القديمة.. مشعل الحرية فى أفريقيا.. بلد النيل.. وأرض الفيروز.. وقناة السويس.. مصر الأزهر والكنيسة.. مصر العربية والأفريقية والإسلامية والمتوسطية.. درة العالم.. ومحط أنظار الجميع. لقد قبلت بتلك المهمة أداءً للواجب، ولعلكم تعلمون أننى لم أكن أود القيام بها.. إلا أنه من منطلق المسئولية الوطنية.. ووفاءً لما أدين به من أفضال لا تعد لهذا الوطن الغالى.. لبّيت النداء.. وقد تحملت.. مسئوليات صعبةً والتزامات جسيمةً.. وحملت أسرتى.. مخاوف أمنيةً.. وقيوداً اجتماعيةً.. وقد حرصت على أن أكون أميناً فى أدائى للتكليف.. رئيساً لمصر وللمصريين.. كل المصريين.. لا أقبل تدخلاً أو وصايةً من أحد من داخلها أو خارجها.. أستمع للجميع.. وأقيم الشورى.. ثـــم أتخذ القرارات المناسبة.. وأتحمل مسئوليتها أمام الله والوطن.. فلقد حرصت فى كافة هذه الخطوات.. أن أطبق وأُعلى مبدأ الشورى.. وديمقراطية اتخاذ القرار.. فدعوت إلى الحوار المجتمعى.. مع كافة قطاعات الشعب.. وفى مقدمتهم الشباب.. مستقبل الأمة.. قلبها النابض.. ووعيها المتفتح.. وروحها الوثابة.. وذلك سواءٌ فيما يتعلق بأولويات إجراء استحقاقات خارطـة المستقبل.. أو فيما يرتبط بها من قوانين ذات صلة.. تشهد مسوداتها الأولى.. أنها تغيرت وفقاً لإرادة الشعب.. ونزولاً على مقترحاته.. وليس فرضاً لرأى.. أو احتكاراً لسلطة».[ThirdQuote]
وفى 8 يونيو 2014 جرت، لأول مرة فى التاريخ المصرى الحديث منذ ثورة 23 يوليو 1952، مراسم تسليم وتسلم السلطة، فى احتفال تاريخى أقيم بقصر الاتحادية الرئاسى، بحضور زعماء وملوك ورؤساء وحكومات وبرلمانات عربية وعالمية. وشهد حفل التنصيب الذى أقيم بعد أداء الرئيس «السيسى» اليمين الدستورية أمام الهيئة العامة للمحكمة الدستورية العليا، توقيع وثيقة تسليم السلطة بين «منصور» و«السيسى»، بعدما ألقى كل منهما كلمة فى الاحتفال.
وجاء فى وثيقة «تسليم وتسلم السلطة» بين «منصور» و«السيسى»: «بسم الله الرحمن الرحيم.. باسم الشعب.. صاحب السيادة.. ومصدر السلطات.. . ومفجِّر الثورة.. ثورة 25 يناير 2011.. وما حملته من آمال وطموحات وتطلعات، وثورة 30 يونيو 2013 المكملة، التى صوَّبت المسار واستعادت الوطن، وتنفيذاً للاستحقاق الثانى من خارطة مستقبل الشعب المصرى، وبناءً على قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية رقم 36 لعام 2014، بإعلان فوز عبدالفتاح سعيد خليل السيسى فى الانتخابات الرئاسية التى عُقدت خارج البلاد خلال الفترة من 15 إلى 19 مايو 2014، وداخل البلاد فى الفترة من 26 إلى 28 مايو 2014، وعقب أداء اليمين الدستورية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، تسلَّم الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد السلطة من المستشار عدلى منصور رئيس الجمهورية المؤقت. حُررت الوثيقة فى العاشر من شعبان 1435، الثامن من يونيو 2014».
وقال «السيسى» فى أول خطاب له من داخل قصر «الاتحادية»، عقب انتهاء المراسم، «إن هذه لحظة تاريخية فريدة وفارقة فى عمر هذا الوطن، فعلى مدار تاريخه الممتد إلى آلاف السنين لم يشهد وطننا تسليماً ديمقراطياً سلمياً للسلطة، فللمرة الأولى يصافح الرئيس المنتخب الرئيس المنتهية ولايته ويوقعان معاً وثيقة تسليم السلطة فى البلاد، فى مناسبة غير مسبوقة وتقليد غير معهود يوثق بداية حقبة تاريخية جديدة من مصير أمتنا وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع وفى مقدمته أشقاؤنا وأصدقاؤنا، من عاونونا بصدق لنجتاز المخاطر ونتغلب على الصعاب ونواجه التحديات، إنَّ رئاسةَ مصر شرف عظيم ومسئولية كبيرة».
وفى «كلمة عرفان»، سجلها الكتاب، قال فاروق جويدة عن المستشار عدلى منصور، «إن هذا الرجل يستحق من كل مصرى كلمة وفاء وعرفان، وهو يمضى تاركاً موقعه الذى لم يحلم به يوماً ولم يسع إليه، بل هى الأقدار التى حملته فى لحظة تاريخية صعبة وقاسية لأن يحمل لقب رئيس جمهورية مصر. إن هذا الرجل يستحق أن نقول له: شكراً أيها المستشار الجليل وأنت تعود إلى عالمك الذى أحببت وطريقك الذى اخترت، وقد زدت قصر الرئاسة جلالاً وتواضعاً ونبلاً. إننى أتحدث عن المستشار الجليل عدلى منصور الذى أدى دوره الوطنى بكل الصدق والوفاء والتجرد لهذا الوطن فى لحظة هى الأصعب فى تاريخ مصر الحديث، هذا النموذج الوطنى الرفيع الذى قدمه وضرب للمصريين فيه مثلاً، وقدم لهم صورة فريدة فى الوطنية والولاء».
وأضاف «جويدة» فى كلمته «إن أقدار الرجال تقاس حسب الأدوار والظروف وحجم التضحيات. وحين جاء المستشار عدلى منصور إلى كرسى الرئاسة، لم يكن يتصور يوماً وهو يجلس على منصة أكبر مؤسسة قضائية فى مصر أن الأحداث والأيام والأقدار يمكن أن تلقى به وسط هذه الرياح الصاخبة وهذه الأمواج الغاضبة ليجد نفسه قائد سفينة تحاصرها المؤامرات من كل جانب.. وحين كنت أجلس معه منذ أسابيع أقسم لى أنه لم يذق فى الأيام الأولى من جلوسه على كرسى الرئاسة طعم النوم دقيقة واحدة والأحداث تحيط به من كل جانب.. لم يضع فى حساباته أن يجلس يوماً على هذا الكرسى الذى يحمل الكثير من الذكريات، وكان الرجل فى حيرة من أمره، لقد اختار القضاء طريقاً واختار العدل أسلوب حياة، وكان يرى أن تحقيق العدالة بين الناس هو أرقى وأعلى مناصب الدنيا وأن السياسة عالم فسيح وطريق طويل وصعب يتطلب أشياء كثيرة، كما أن سنوات العمر قد امتدت به وهو بعيد عن السياسة فكيف يجد نفسه مطالباً فى لحظة صعبة أن يقوم بهذا الدور الكبير والبلاد تواجه محنة قاسية، لكنه استطاع أن يقدم تجربة قصيرة ورائدة فى حكم البلاد بلا صخب أو ضجيج».
وأخيراً، قال «المسلمانى» فى ختام الكتاب، فى مقال نشر بخط اليد تحت عنوان «الرئيس السادس»: «إذا كان من وصف للرئيس السابق عدلى منصور فهو «الرئيس الضمير»، ذلك أن القاضى كان حاضراً فى السياسى، والأخلاق كانت ملازمة للسلطة. وقد كانت آخر تصريحاتى مستشاراً إعلامياً للرئاسة أن: الرئيس عدلى منصور غادر القصر مرفوع الرأس، بعد أن أعاد القيم إلى السياسة، وأقام صلحاً بين المبادئ الأخلاقية والاعتبارات السياسية».