الفلاح الأمريكى.. و«الخرسيس» المصرى
بمجرد أن أصبحت مُزارعاً بولاية فلوريدا الأمريكية، منتصف الثمانينات، سددت 20 دولاراً لأصـبح عضواً باتحاد المزارعين هناك.. لماذا؟
1 - كل عضو يحصل على تخفيض 50% من فاتورة اشتراكه فى التأمين.. التأمين على صحته، على مزارعه، على منزله، على سيارته، على حياته، فالتأمين هناك إجبارى، ومكلف جداً!!
2 - يصلك، كل شهرين، جريدة «اتحاد المزارعين»، وهى نشرة تحتوى على كل ما يجب أن تعرفه، بدءاً من عناوين الشركات التى تقدم خدمات، أو أى مدخلات للإنتاج، من ميكنة، أسمدة، تقاوى.. إلخ، فقط للشركات المحترمة، غير المستغلة وأيضاً شركات «التصدير» المتعاونة مع المزارعين فى إقراضهم مقدمات وفى أسعار شرائها للمحاصيل، بعيداً عن السماسرة والوسطاء.. ولا تسمح الجريدة بوضع أى إعلانات إلا إذا كانت الشركة المعلنة، لديها شهادة من مركز المراقبة التابع للمزارعين أنفسهم (ولاتحاد المزارعين محامون متطوعون من الجمعيات الأهلية) من يُخطئ يُعاقب، ومن يغش فالتعـويضات تخرب بيته!!
3 - والأهم.. كمية المعلومات والبيانات والإحصائيات والأرقام التى ترشدك كمزارع: ماذا تزرع وكيف تزرع، وتكلفة الزراعة، والمساحات التى تم زراعتها، من نفس المحصول (ولاية فلوريدا تزرع الموالح، جريب فروت، برتقال، يوسفى بأنواعه).. فى النشرة: كمية الإنتاج السنوية، ولعشر سنوات سابقة، وكمية الإنتاج للسنوات العشر المقبلة، والمنافسون لنا فى المكسيك، البرازيل، إسبانيا، وحتى المغرب وإسرائيل وقبرص.. واحتياجات الأسواق الداخلية والخارجية، وتوقعات المحللين والمتخصصين، وأذواق المستهلكين، وحركة الأسواق، وتأثير النمو الاقتصادى، فى الصين وشرق آسيا على استهلاك الموالح الطازجة، والعصائر، والمركزات و... و...
السؤال: كل يوم نسمع عن نقيب للفلاحين، ولم نسمع أبداً عن نشاط، أو حتى «نشرة» تفيد المهنة أو تدافع عن حقوق الفلاحين؟
الخلاصة: بعشرين دولاراً سنوياً «الفلاح هناك يحصل على: عشرات الامتيازات والمميزات، والأهم الإرشاد وكيف يربح.. بعيداً عن الانتهازيين من التجار، والمستغلين من المصدرين، ومن النصابين: سماسرة أو مخلصاتية أو تجار جملة حرامية!!
ولن أحدثك عن سهولة إجراءات التملك (فى 72 ساعة)، وعن دور البنوك، بفائدة 2% بعد 3 سنوات سماح، ولا عن الدعم المباشر، وغير المباشر، ولا عن أولوية الزراعة فى سياسات وخطط وبرامج الدولة، ولا عن ضمان المخاطر، وكيف يحترمون ويشجعون الإنتاج، ويرفعون القبعة لكل من يُنتج، حتى لو كان لديهم فوائض يرمونها فى المحيط!!
تعالوا نشوف عندنا، قبل ما نغنى على نفسنا، ونكدب على المستثمرين الجادين، لنحدد ونشخّص المشكلة، ونجد لها الحل.. هل لدينا قاعدة بيانات أصلاً؟
اسأل 3 وزراء للزراعة: ما المساحة المزروعة فى عموم المحروسة؟
الإجابة: واحد هيقولك 8.5 مليون فدان.. والثانى هيقولك 8 ملايين.. والثالث: 7.5 مليون فدان!!
اسأل عن المساحة المزروعة بالقمح.. واحد هيقولك 3.2 مليون فدان، والثانى 2.9، والثالث 2.5 مليون فدان (وكل واحد له مبرراته وحججه)!!
وتسأل نفسك: هوّ القمر الصناعى، اللى دفعنا فيه دم قلبنا مع روسيا.. فايدته إيه؟
واسأل كمستثمر ترغب فى إقامة مشروع للإنتاج الحيوانى أو السمكى أو الداجنى، ما عدد «المزارع» المنتجة للطيور فى مصر؟ (لعمل دراسة جدوى للمشروع، الذى ترغب فى إقامته)!!
لن تصل لأى شىء.. اتحاد المنتجين هيقولك أرقام، ووزارة الزراعة أرقام تانية، والحجة: أصل 70% من المزارع غير مرخصة.. ليه طالما مفتوحة وتعمل، وكلنا عارفين؟ هيمط شفتورته، ويهز راسه.. ولن تحصل على أى إجابة!!
وإذا طلبت منه أى بيانات (رغم أنها غير صحيحة) هيقولك: دى أمن قومى، لا نتداولها إلا بين الجهات الحكومية، التعليمات كده (أو تقابلنى على القهوة، والقهوة على بُعد 200 متر من الوزارة)!!
صباح الخير سيادة الرئيس..
يا ريس: الفلاحين فى بحرى حرقوا القطن، وبطّلوا زراعته.. والبرتقال خلّعوه.. والبطاطس خربت بيوتهم، والدرة محدش عايز يتعاقد على شرائه (رغم أننا نستورد 6 ملايين طن)، وإخواننا فى وجه قبلى بيفلّسوا بعد ما البلد غرقوها سكر مستورد، و... ومحدش هايص فى البلد دى غير «مافيا الاستيراد»، وآل كابونى من الفاسدين!!
أمّا الفلاحون المنتجون فهناك الآن 184 ألف ملاحَقين، غير الهاربين والمسجونين.. يرضى مين إن الفلاحين يهجروا الأرض، وأسرهم تتشرّد، وهنستفيد إيه من سجنهم؟
وفين مقولة «اللى ياكل من فاسه.. قراره من راسه»؟!
يا ريس.. الزراعة بتطلّع فى الروح.. والفلاح بعد خمس سنين هنشوفه فى المتاحف، وأولاده هيبيعوا القيراطين (نصيب المواطن المصرى الآن 2.1 قيراط) ولو نزلت الكفور والنجوع، هتشوف كل عيّل راكب توك توك.. وشرحه الصيادين، ومربى الطيور.. والحيوانات (مش عايز أغلط)، مفيش حد مهتم، وكأننا بنأدّن فى مالطة.. وهنرجع زى زمان (خليهم يتسلوا) لا الحكومة فاهمة، ولا المحافظين قادرين، وغير المنتجين «مأنتخين»، وكله مستنى.. مستنى إيه.. محدش عارف، ولا حد عايز يتحرّك!!
السؤال: فين مستشاريك يا ريس؟ ومين مساعديك؟ عايزين نفهم، وعايزين نَطْمئن ونُطَمئن الناس، لا أكتر ولا أقل!!
ونستكمل الثلاثاء المقبل.