إسرائيل.. شهادة وفاة النظام الدولي «المتحضر»!

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، تشكلت عصبة الأمم فى 1919 كأول منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمى، ثم ثبت فشلها مع بحور الدماء التى ملأت كل أوروبا، وامتدت إلى أطراف مختلفة من قارات العالم، خلال السنوات الخمس الأولى من أربعينيات القرن الماضى.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكلت هيئة الأمم المتحدة فى 1945 كتطور طبيعى لمحاولة عصبة الأمم الفاشلة، ومع هذه اللحظة أخذ يتشكل ما يُعرف بـ«النظام الدولى» فى صورته الحديثة، الذى تديره المنظمات والمؤسسات ومجالس الأمن وصناديق وبنوك النقد، وتحميه القوانين والمعاهدات الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان.

وافقت البلاد -طواعية أو قسراً أو استشرافاً لسنوات بارقة أو هروباً من سنوات الموت المظلمة- على هذا النموذج الحديث لإدارة عالم ثنائى القطبية، تحول بعد عقود من الحرب الباردة إلى عالم القطب الواحد مع إعلان حل الاتحاد السوفيتى 1991.

منذ 1991 أمريكا وحدها قدمت نفسها كرئيس لمجلس إدارة هذا العالم، ومن ورائها أوروبا.

صدّرت الولايات المتحدة -أو فرضت بسلطة الأمر الواقع- مفاهيمها، ثقافاتها، تصوراتها عن السياسة والاقتصاد والحرب والفن والأخلاق، وكل شىء.. حتى الأكل والشرب والأزياء والجنس!

صدّرت الحلم الأمريكى إلى كل الكرة الأرضية.

ثم فجأة، استيقظ العالم على كابوس!

لا الإنسان حصل على حقوقه، ولا العالم نعمَ بالسلم والأمن، ولا صناديق النقد والبنوك الدولية ضمنت مستوى معيشة أحسن للبلاد والأفراد.

كان كل ذلك جزءاً من الكابوس.. لم يكن الكابوس كله.

اكتمل الشىء المفزع عندما تحولت أمريكا من دولة الحلم إلى دولة الغزو والتدمير والاحتلال فى 2003 عندما ذهبت -بكل وقاحة- مدججة بالسلاح إلى العراق، كأنها عصابة مافيا فى حى إيطالى قديم أو جماعة مرتزقة من جماعات السواحل والجزر.

بدت أمريكا كحافلة دمار شامل تهدد البلاد والشعوب، وليست رئيس مجلس إدارة للعالم الجديد المتحضر.

مأساة المشهد الذى لا ينساه عربىٌ واحد قبل عشرين عاماً تكررت بصورة أخرى فى 2023.

أكثر من 10 آلاف بنى آدم تم قصفهم بالصواريخ والقنابل الحارقة تحت رعاية أمريكا وأمام مرأى ومسمع العالم المتحضر.

أكثر من 4200 طفل اُقتيدوا للموت بلا سبب وبلا جريمة تحت رعاية أمريكا وأمام مرأى ومسمع العالم المتحضر.

مستشفيات وكنائس ومدارس ومساكن آهلة بالمدنيين جرت مساواتها بالأرض تحت رعاية أمريكا وأمام مرأى ومسمع العالم المتحضر.

جرائم إسرائيل فى غزة، التى تفتقد لأى قيم وتضرب عرض الحائط بأى قوانين، لم تفضح إسرائيل وحدها، بل فضحت راعيتها الكبرى أمريكا، وفضحت معها كل أوهام العالم المتحضر، وفضحت كل منظماته ومؤسساته الدولية التى لا يمكن أن تكون شيئاً أكثر من لوحة حائط أو مستحضر تجميل صالح فقط لحضور الحفلات الليلية.

ما يحدث فى فلسطين اليوم، وما حدث فى العراق الأمس، بقوة السلاح، وما حدث ويحدث فى الكثير من بقاع الأرض -لم تستثن منها أوروبا- من تأجج أزمات وتصاعد صراعات أهلية ونشوب حروب مسلحة وتوالى فجائع إنسانية ومعيشية عانت وتعانى منها الكثير من الشعوب، إنما هو التعبير الحقيقى الصادق عن فشل النظام الدولى الذى تديره أمريكا وفق مبدأ القوة وليس مبدأ الحق.

ليست إسرائيل سوى شهادة عدم صلاحية لهذا النظام غير المتوازن، وغير العادل، وغير الكفء، وغير القابل للاستمرار مهما أُهيلت على وجهه مساحيق الجمال الزائف.

هو نظام دولى قابل للانفجار فى أى وقت!