هدنة مع الذات.. عقلنة وسائل التكنولوجيا الثورية

سيد حُسين

سيد حُسين

كاتب صحفي

تغيرت أنماط الحياة بوتيرة متسارعة وكأن الدنيا تمضى نحو نهايتها على عجَل، يأسٌ يستعمر النفوس وسط حالة من الإحباط الناجم عن الصراع «الإنسانى- الإنسانى»، وغياب القيم الدينية التى توارت خلف صفحات السوشيال ميديا وعمليات التجميل الإلكترونية، أُصيب الجميع بالانفصام الذى تجلى فى الفرق بين الحقيقى والافتراضى كوسيلة للهرب من الواقعية إلى ساحات الخيال الزائف، صار التفاعل مُحدِّداً من مُحدِّدات نجاح المحتوى حتى وإن كان سلبياً، لأنّ الصفحات العمياء لا تهتم إلا بنقر الأيقونات، سادت التفاهة فى غياب المحتوى الهادف لترقية العقول بعد التلاعب فى معايير التقييم، وظهر المؤثرون فى مختلف ربوع العالم دون جذور ثقافية يحترمها المتلقى، خُلقت حالة من الارتباك فى أروقة صناعة الرأى التى كُسرت عصاها السحرية على صخرة وسائل تواصل جديدة لا تحتاج إلى داعم أو راعٍ أو كفيل، وكأنها مولود لقيط.

غابت ساحة التنافس العادل واُغتيلت مؤسسات ثقافية ضخمة عجزت عن مواجهة الشركات الأخطبوطية العملاقة التى وفرت وسائل النشر مجاناً لأى شخص دون النظر إلى هويته أو كينونته، صار نشر الأفكار الخبيثة والرثة والمدمرة مباحاً دون قيود وسط مخاطر جمة تحدق بالنشء والمرأة والشباب وتؤثر على مستقبل البشرية بصفة عامة.. تلاعُب بالأفكار وتغييرُ معتقدات وتشكيكٌ فى الهوية، لم يعد هناك من يستطيع المتابعة ورصد الأخطار المجتمعية والنفسية الناجمة عن ثورة الاتصالات الجديدة بسبب التدفق الهائل للمعلومات وعجز البشر عن مواجهته أو السيطرة عليه فى غياب استراتيجية واضحة لتحقيق هذا الهدف.

أصبحت حياة المجتمعات مستباحة وكأنها كتاب مفتوح لمن أراد أن يطلع، ووقفت الدول عاجزة عن مواجهة التغيير الحاصل فى عادات وتقاليد مجتمعاتها، وامتد الأمر إلى تأثر مواطنيها بأفكار خارجة عن الأطر الثقافية والاجتماعية التى عاشت تلك الدول على إرثها لعقود طويلة، فلا عجب أن تتفشى ثقافة الاستهلاك فى مجتمع يعانى من التضخم وزيادة السكان وقلة الموارد ضمن مسارات استيراد تلك الثقافات الدخيلة من دول غنية تعيش الرفاهية إلى أخرى فقيرة ما زالت تتطلع إلى توفير الغذاء لسكانها.

تفشّت الأمراض النفسية فى المجتمعات الفقيرة التى خلقت لأحلامها منفذاً شرعياً عبر الساحات الافتراضية، ارتفعت نسب الطلاق وزادت العنوسة وتخلف الشباب عن ركب الكفاح لبناء حياة اجتماعية مستقرة، فيما يتعرّض 20 فى المائة منهم على مستوى العالم إلى الاضطرابات النفسية، وتحديداً فى البلدان ذات الدخل المنخفض، وفقاً لإحصائيات «اليونيسيف» المنشورة على موقعها، ورغم التقدم الهائل الذى شهده العالم فى سرعة التواصل بين البشر، لم تتوصل المؤسسات البحثية الرصينة إلى حقيقة التأثير السلبى لتلك الثورة على سكان العالم، حتى وإن أبرزت جانباً منه، فإنه يمثل جزءاً يسيراً من الواقع المؤلم.

ربما تحتاج البشرية إلى هدنة مع الذات لتفنيد ما آلت إليه الأوضاع فى المجتمعات كافة نتيجة هذا التسارع الهائل فى تكنولوجيا المعلومات وما نتج عنه من تبعات على كل الصعُد، خاصة بعد تسارع وتيرة الزمن، فقديماً كان الحصول على المعلومة يستغرق الوقت والمال والجهد، والآن اختصرت تلك الثورة المسافات وزادت من سرعة الأيام، وأصبح الواقع خارجاً عن نطاق المألوف البشرى بعد تغير خصال السكان، بداية من طلب الغذاء وانتهاء بالصراعات والحروب التى امتدت إلى حدود الاستغلال البيولوجى، الأمر الذى يدق ناقوس الخطر ويفرض على الجميع ضرورة التحرك لعقلنة تلك الوسائل الثورية، فإذا كانت قضايا تغير المناخ تمثل خطراً داهماً على البشرية فإن الجوانب السلبية للثورة التكنولوجية تهدد استقرار الجنس البشرى على المدى البعيد.