تركيا.. سياسات أهلكت الاقتصاد ومحاولات «مستميتة» لإنقاذه

تركيا.. سياسات أهلكت الاقتصاد ومحاولات «مستميتة» لإنقاذه
«أزمة اقتصادية كبيرة.. الفوارق الاجتماعية.. وحالة من الاستبعاد بين طبقات المجتمع» ذلك ما جنته تركيا من صندوق النقد الدولى، الذى دفعها لأزمة اقتصادية مهلكة ثم هرول ليتصدر عمليات الإنقاذ، عمل مع المستثمرين فى تناغم مصدّراً وهم «إعادة الثقة فى الاقتصاد» لتحقيق مكاسب غير معقولة على حساب إفقار الشعب أكثر من فقره.
لجم الصندوق حكومات تركيا المتعاقبة منذ 1999، وغلّ يديها عن دورها الاجتماعى فاتسعت الهوة بين الطبقة الغنية وسائر طبقات المجتمع واستبعدت مناطق وأقاليم من دائرة التنمية، مما شكَّل عقبة ما زالت حكومة رجب طيب أردوغان غير قادرة على تجاوزها رغم معدل النمو المرتفع وهى نفسها التى دفعت الحكومة لإنهاء المفاوضات مع الصندوق فى 2009 لفرضه شروطاً «غير مقبولة»، بحسب أردوغان، تشمل استمرار تقييد الإنفاق الاجتماعى مما كان سيزيد الهوة اتساعاً والاستبعاد ألماً.
البداية كانت مع انطلاق ثمانينات القرن الماضى حيث لحقت تركيا بقطار الانفتاح الاقتصادى والسياسات الرأسمالية «نيو ليبرالية» معتمدة على الاستثمارات الخارجية فى تحقيق النمو، واستمرت تلك السياسات تحكمها حتى نهاية التسعينات رغم ما صاحبها من مستوى تضخم مرتفع وخفض للإنتاج وكذلك انعدام للمساواة الاجتماعية.
وبحلول عام 1999، لجأت تركيا لصندوق النقد الدولى لخفض مستوى التضخم، والتخطيط لاقتصاد يتماشى والمعايير الأوروبية لتحقيق حلم الانضمام للاتحاد الأوروبى، ووافق الصندوق على إقراضها ما يفوق 20 مليار دولار، وبدأت الرقص على أنغام سياسات الصندوق وشروطه التى شملت تحقيق انضباط الميزانية عن طريق خفض الإنفاق العام، وتحرير التجارة.
وحققت تلك السياسات انتعاشة مؤقتة للاقتصاد وارتفع معدل النمو ولكن سرعان ما أجهض معدل التضخم المرتفع والفساد المستشرى تلك الانتعاشة وإن استمرت تركيا فى تنفيذ سياسات الصندوق.
وتدهور الوضع الاقتصادى بشدة وانهار برنامج التصحيح الاقتصادى الذى كانت تطبقه الحكومة بمساعدة صندوق النقد الدولى لخفض التضخم على أثر خروج الأموال الأجنبية لهشاشة الاستقرار السياسى وعجز البنوك عن ملء الفراغ الذى خلفته، فلجأت تركيا مرة أخرى لقروض الصندوق فى نهاية عام 2000 ونفذت روشتة الإنقاذ التى حددها من عمليات خصخصة واسعة للقطاع العام وخفض الإنفاق، لكنها أنتجت وضعاً أكثر سوءاً تصدره معدل بطالة مرتفع ومستوى إنتاج منخفض وزيادة فى الضرائب، وأصبح جلياً أن القرض لم يكن فى محله.
وتفاقمت الأزمة فى فبراير 2001 مما أفقد الليرة نصف قيمتها أمام الدولار وارتفع التضخم لمستوى قياسى وفقد الآلاف وظائفهم وانخفض الناتج القومى الإجمالى بنسبة 9.4%، وهو أسوأ أداء للاقتصاد التركى منذ عام 1945. فلجأت للصندوق فى 2002 ووافق الصندوق على منحها قرضاً جديداً بقيمة 15 مليار دولار لم يصنع الكثير فى الوضع الاقتصادى المنهار حتى وصل حزب العدالة والتنمية الإسلامى للحكم فى أواخر نفس العام الذى نفذ سياسات الصندوق إلى جانب تحفيز القطاعات الاقتصادية وزيادة الإنتاج إلى حده الأقصى وتوظيف السياسة الخارجية لدعم الروابط الاقتصادية مع دول العالم، مما مكَّن البلاد من تخطى الأزمة وتحقيق قفزات اقتصادية هائلة.
إلا أن حكومة الحزب بقيادة أردوغان استمرت فى نهج الاقتراض من الصندوق وحصلت على قرض بقيمة 10 مليارات دولار فى 2005 رغم تحقيقها معدل نمو مرتفعاً وانضباط الميزانية ورفضت تجديده فى 2009 تحت ضغط الشارع وشروط الصندوق غير المقبولة.
وفى فترة الخضوع للصندوق التى امتدت من 1999 حتى 2008، طبقت أسوأ سياساته فى تركيا من خفض كبير للإنفاق الاجتماعى ورفع الفائدة وإزالة الحواجز الجمركية مما تسبب فى تراجع الصناعة الوطنية، كما دارت الحكومة والقطاع العام فى فلَك «خدمة الدَّين» على حساب دورهما الاجتماعى مما أنتج طبقات وسطى وفقيرة تعانى الاستبعاد الاجتماعى والتفكك.
وجعلت سياسات الصندوق، وخاصة رفع سعر الفائدة، تركيا ملاذاً لمستثمرى الربح السريع ممن يقدمون بمجرد ضخ قرض الصندوق كدلالة على عودة الثقة فى الاقتصاد، يحققون مكاسب كبيرة ويغادرون.
كما أثمرت سياسات الصندوق سوء توزيع للدخل وغياباً لعدالة التنمية بين أقاليم تركيا، حيث يعيش ما يقترب من 20% من سكان البلد الأوروبى تحت خط الفقر وتعاظمت الهوة بين الطبقات وارتفع معدل عمالة الأطفال إلى 6% على الأقل. وبالإضافة إلى سوء توزيع الدخل، يسدد أصحاب الدخول المنخفضة ضرائب لا تتناسب ودخلهم. كذلك تعانى الأقاليم الشرقية والريف من فقر البنية التحتية ونسب بطالة وفقر مرتفعة مما أنتج استبعاداً اجتماعياً لتلك المناطق.