البرلمان المقبل.. ونظرة جديدة لذوى الإعاقة
بلا مقدمات أفتح اليوم مع القارئ العزيز ملف قضية أراها تحتل، أو بالأحرى يجب أن تحتل، مرتبة متقدمة فى سلم أولوياتنا جميعاً، خاصة ونحن نهرول فى اتجاه إصلاح المسار على طريق بناء مصر الحديثة، مصر العفية والقوية بجميع أبنائها المخلصين، كل حسب قدراته وإمكاناته.
والمستقر فى يقينى أن تلك القضية تكتسب أهمية خاصة انطلاقاً مما تحمله فى مضمونها وآثارها الاجتماعية والإنسانية من خطورة تفرض علينا أن تكون قضية الساعة وتلزمنا جميعاً أن نوليها من الاهتمام ما تستحق وتدفع بنا إلى سرعة البحث عن مخارج وحلول ناجزة وجذرية لاستيعاب آمال وآلام وطموحات وأحلام شريحة أصيلة من شرائح المجتمع المصرى تقدر أعدادها بالملايين. وأتعمد هنا عدم ذكر رقم محدد، حيث لا يوجد رقم دقيق متفق عليه حتى الآن، وتلك فى حدا ذاتها إشكالية هامة تبحث مبدئياً عن حل سريع، إذ كيف يمكن للمرء أن يستوعب أن مصر صاحبة الحضارة الضاربة فى أعماق التاريخ لا يوجد لديها، وفى الألفية الثالثة، إحصاء دقيق وقاعدة بيانات محددة وواضحة لشريحة هامة من أبنائها يقدر عددهم بالملايين؟!
وتزداد أهمية القضية وخطورتها على الصعيد الاجتماعى والإنسانى، حيث تتعلق بحياة ومصير أناس هم الأولى بالرعاية والاهتمام، خاصة إذا كانت وضعيتهم ناتجة عن قدَر وحكمة إلهية قدّرها المولى عز وجل عليهم ولا دخل لهم بها ولم يكن لهم فيها اختيار ولا إرادة.
قضية الإعاقة والمعاقين فى مصر ملف خطير يجب أن يُفتح وعلى كل الأصعدة وكل المستويات وبوضوح شديد، لأننا أمام أعداد تضاربت حولها الأرقام، الرسمى منها وغير الرسمى، وتراوحت بين 8 و15 مليون مواطن مصرى فرض عليهم القدر ظرفاً صحياً واجتماعياً غير طبيعى، والطبيعى أن يجعل منه مواطناً أولى بالرعاية.
ليس من منطلق الشفقة والتعاطف الإنسانى بل من منطلق حق المواطنة الذى يفرض على الدولة بكافة مؤسساتها وأجهزتها بسط مظلة الرعاية والحماية على كافة مواطنيها بالتساوى وبلا تفرقة إعمالاً لنصوص الدستور الذى يمثل عقداً اجتماعياً بين الدولة ومواطنيها، إذ ليس من المتصور أن تُسقط الدولة من حساباتها، وعلى مدار عقود طويلة، أناساً اختصهم الله، لحكمة يعلمها، بميزة نسبية عن غيرهم من أبناء الوطن، وأيضاً ليس من المتصور ولا المقبول أن نواصل جميعاً السير على نفس الدرب من الإهمال والتجاهل لأبنائنا وإخوتنا من أصحاب الإعاقة على اختلاف أشكالها، كما أننا كمجتمع ودولة نرى أن قدَرهم هو الدوران فى تلك الدائرة المقيتة من المعاناة والألم والتجاهل والشعور بالمرارة على مدار حياتهم، رغم أنهم ضربوا، وما زالوا يضربون، أروع الأمثلة فى قوة وصلابة الإرادة والرغبة فى النجاح وإثبات الذات، وخرج من بينهم نماذج عظيمة وعلى كثير من الأصعدة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين والفنان الرائع عمار الشريعى وعشرات بل والمئات ممن رفعوا اسم وعلم مصر عالياً فى المحافل الرياضية الدولية وحققوا لمصر أرقاماً قياسية وقت أن كان الأصحاء يحققون صفر المونديال!
القضية كبيرة وخطيرة ومتشعبة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة مجتمع بأكمله تحتاج إلى مراجعة وتعديل، وتصحيح النظرة والمفهوم وطريقة التعاطى والتعامل مع تلك الشريحة الهامة والخطيرة وما تعانيه من مشكلات بما يصب فى اتجاه دمجها، وبشكل صحيح، فى النسيج المجتمعى لاستثمار طاقاتها الخلاقة والمبدعة فى بناء مستقبل الأمة فى ظل إطار تشريعى وقانونى يترجم مواد الدستور المتعلقة بتلك الفئة إلى واقع حياتى فى إطار من العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التى تخلق مناخاً مواتياً لاستثمار تلك الطاقات الهائلة بشكل جيد ومؤثر فى بناء الأمة واستعادة مجدها، إذ ليس من المنطقى أن نغض الطرف عما يقارب «سدس» المجتمع المصرى ونتركهم عرضة لغوائل الدهر يعانون المرض والألم والبطالة وضياع الحقوق وغياب مظلة الدولة عن قطاع كبير من أبنائها الذين هم الأولى بالرعاية والحماية ونكتفى بين الحين والآخر بإطلاق بعض العبارات الرنانة على سبيل التعاطف الإنسانى!
على الدولة بكافة أجهزتها ومؤسساتها، وفى المقدمة منها البرلمان المقبل، الاتجاه نحو بسط مظلة الدولة وبشكل حقيقى قائم على قناعة تامة بأن تلك الشريحة هم فى حقيقتهم مواطنون كاملو الأهلية لهم كافة الحقوق التى يجب حفظها وتنظيمها وصونها بأطر تشريعية ثابتة وراسخة تضمن الحق فى العمل والرعاية الصحية الكاملة والحق فى المعاش للفئات غير القادرة على العمل والكسب وتمهد الطريق لدمجهم بشكل طبيعى فى المجتمع على نحو يحفظ عليهم كرامتهم الإنسانية كاملة غير منقوصة وبالدرجة التى تفجر ما بداخلهم من طاقات وإمكانات تجعل منهم جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة على طريق استعادة مكانة الأمة وبناء نهضتها.
وذلك من خلال منظومة تشريعية قوية وراسخة تنقل مواد الدستور الخاصة بتلك الفئة من مجرد عبارات رنانة ومثيرة للمشاعر إلى قواعد ثابتة وراسخة تحفظ وتستعيد لتلك الشريحة الهامة من المجتمع المصرى حقوقاً حُرموا منها على مر عقود طويلة، فليس من الجائز تقبل فكرة أن لا قانون يحفظ حقوق «سدس» المصريين سوى قانون مهترئ من سبعينات القرن الماضى!! يحوى بين طياته مواد تجاوزها الزمن وتسببت فى ضياع الحق والكرامة. ولنأخذ هنا مثالاً إحدى مواد هذا القانون، وهى التى تقرر العقوبة الواجب توقيعها على من يمتنع عن استيفاء نسبة تعيين 5% من العاملين بالمؤسسة أو الشركة التى يترأسها من المعاقين والمقررة قانوناً بذات القانون، فنجدها محددة بالغرامة مائة جنيه! الأمر الذى ساهم فى ترسيخ مفهوم سهولة تجاوز القانون وعدم الالتزام بتلك النسبة، وهو ما ترتب عليه رفع معدلات البطالة فى صفوف المعاقين لدرجة خطيرة، مع الأخذ فى الاعتبار خطورة البطالة بين المعاقين عنها وبين الأصحاء!! وهذه قصة سوف نطرح تصورنا لحلها ومواجهتها فى مقال لاحق.
أراه لزاماً على الدولة أن تدعم وبقوة المجلس القومى لشئون الإعاقة والذى يترأس مجلس إدارته رئيس مجلس الوزراء ومعه 9 وزراء يشكلون فى حقيقة الأمر حكومة مصغرة بكل أوجه الدعم بما يجعل منه كياناً قوياً يضم بين جنباته جميع المواطنين المصريين من ذوى الإعاقة فى ظل قاعدة بيانات دقيقة ترسم صورة واضحة لخريطة الإعاقة فى مصر من حيث الحجم والشكل والنوع على نحو يساعد الخبراء والباحثين على وضع التصورات والحلول الناجعة والناجزة لمعاناة ومشكلات تلك الشريحة الهامة من المجتمع المصرى والتى تلقى بظلال من الآثار السلبية على شرائح أخرى كثيرة تدفع الأمور فى الاتجاه العكسى لمسيرة التنمية والبناء.
وأخيراً، ومن باب التذكرة التى تنفع المؤمنين، أذكر نفسى والجميع بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن أهل الابتلاء من أبناء الأمة فقال: «بهم تُكرمون وبهم تُرزقون». وتذكرتى هذه ليست من باب دغدغة المشاعر أو استدرار العطف والشفقة بقدر ما هى دعوة لإحقاق الحق والحقوق وإنصاف المستضعَف والمظلوم من أبناء هذه الأمة لاستنهاض وشحذ الهمم لإعادة البناء على أسس سليمة وراسخة من العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والكرامة الإنسانية التى أوجب الخالق العظيم حفظها وصيانتها.
وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية.