«أنا محمد سلامة وساكن في الحسين.. أمنتكم متدفنونيش في مقابر الصدقة»
«أنا محمد سلامة وساكن في الحسين.. أمنتكم متدفنونيش في مقابر الصدقة»
سائراً على مهل، عيناه تبحثان عن جدار ليسند ظهره المنحنى تعباً، وقدماه أنهكهما طول الوقوف فقرر أن يقف ليأخذ قسطاً من الراحة، لا شىء يميز هذا الصباح المشمس سوى كيس صغير يتأبطه خشية السير وحيداً. يحمل فيه ما يثبت شخصيته وعنوانه: «أنا محمد سلامة وساكن فى الحسين»، مبرراً: «عشان لو مت يعرفوا أنا مين وما اندفنش فى مقابر الصدقة». قضاء يوم كامل بنهاره وليله داخل كافيتريا سياحية فى الحسين متعة يبحث عنها بعض هواة السهر والترفيه، لكن الأمر بالنسبة لـ«محمد» مختلف: «باشتغل فى القهوة 24 ساعة متواصلة، لما بروح ببقى مش عايز حاجة من الدنيا غير إن جتتى ترتاح وما اعملش حاجة تانية». 65 عاماً هى العمر المكتوب فى خانة السن فى البطاقة، يخصم منها 27 عاماً هى السنوات الثقال التى عاشها بعيداً عن زوجته وأبنائه: «فارقتهم غصب عنى.. العيشة وقفت بينا على كده.. لكن عيالى هما أغلى حاجة عندى ومن غيرهم ناقصنى النفس اللى بتنفسه». عمر بأكمله يمر فى شريط سريع يثير شجون الرجل الستينى: «أمى كانت بتخاف عليَّا قوى لدرجة إنها كانت بتتخانق مع أبويا عشان ماتودينيش المدرسة، إخواتى كلهم اتعلموا وفضلت أنا فى حضنها، وخوفها عليَّا زمان هو اللى خلانى كده دلوقتى». ابتسامة تداعب الوجه الحزين، ثمة خاطر مفرح لاح فى ذهن «محمد»: «زمان أيام عبدالناصر كانوا بيوزعوا على التلامذة لب وسودانى، كنت بروح آخد من أخويا الكيس من باب المدرسة وأفضل مستنيه عشان ألعب معاه هو وأصحابه». ربما لم تؤته الأيام بكل ما تمنى وربما حملت له الظروف ما لم يكن يسعى إليه، لكنه ما زال قادراً على أن يبحث عن الرضا ولو بكلمة: «كفاية إنى لسه بصحتى.. ويوم ما بتعب برشامة بجنيه بتريحنى.. هحتاج إيه من الدنيا أكتر من كده؟».