صالة التحرير
تحتفظ ذاكرتى بصورة حية قوية لصالة تحرير جريدة «الأخبار» التى أمضيت فيها حياتى الصحفية. أتذكر تفاصيل اليوم الأول الذى دخلت فى المؤسسة كصحفى متدرّب. حملت خطاباً من قسم الصحافة بجامعة سوهاج لكى أحصل على فرصة تدريب فى الجريدة. دخلت صالة التحرير لمقابلة نائب رئيس التحرير وحفظت عيناى شكل صالة التحرير وترتيب الأساتذة الموجودين وأماكن جلوسهم. شعرت وقتها بأننى فى معبد يلفه الصمت ويتحرك كل شخص فيه حافظاً دوره دون تقاطعات مع الآخرين ودون أدنى ضجة.
كانت صالة التحرير على شكل حدوة الحصان، وها قد طبقت ما درسته فى قسم الصحافة، أن صالة التحرير تكون بهذا الشكل لكى يسير العمل فيها سهلاً، فيمر الخبر من نائب رئيس التحرير الذى يسيطر على منتصف الصالة، فيوزّع الأخبار والموضوعات إما إلى ناحية اليمين، وإما إلى ناحية اليسار.يجلس على يمين نائب رئيس التحرير المخرج الفنى، أو ما نُطلق عليه سكرتير التحرير، فإذا كان الخبر مجازاً من نائب رئيس التحرير ولا يحتاج تعديلاً، يمر من ناحية اليمين فيتولى المخرج الفنى استكمال جولته حتى يصل إلى عمال التنفيذ ثم يعود بروفات -مبلولة- لأن جمع الأخبار كان يتم بالماكينات الرصاص العملاقة، ويستكمل الخبر أو الموضوع الصحفى طريقه حتى يتم طباعة الجريدة.
على يسار نائب رئيس التحرير كان يجلس أعضاء قسم إعادة الصياغة أو -الديسك- فلو كان الخبر يحتاج إلى ضبط فى لغته وصياغته يذهب إلى الديسك الذى يخرجه فى صياغة صحفية سليمة تصلح للنشر حسب السياسة التحريرية للجريدة.
فإذا أجيز من نائب رئيس التحرير يذهب الخبر إلى قسم التصحيح اللغوى فيضبط نحوياً. هكذا كانت تسير الأمور مع بعض التفاصيل. كان يجلس فى صالة التحرير محرّرو قسم الترجمة أو الشئون الخارجية، وعلى رأس هؤلاء وقتها كان الأستاذ محمد مصطفى غنيم، والأستاذ نبيل زكى، وعلى رأس التصحيح كان الأستاذ محمد فهمى عبداللطيف، وجميعهم من العمالقة فى مجالاتهم.
لم أكن عضواً فى صالة التحرير فى ذاك الوقت، لكننى أصبحت بعدما انتقل التحرير الصحفى إلى ما سُمى وقتها بالمبنى الجديد، وكان ذلك عام 1985. احتفظت «الأخبار» بشكل حدوة الحصان نفسه، لكن الصالة كانت مربعة الأضلاع. كنت أمارس عملى فى الديسك ثلاثة أيام فى الأسبوع. كان رئيس القسم الأستاذ مصطفى حسن، وهو مقيم فى الجريدة طوال أيام الأسبوع حتى ينتهى العمل فى الطبعة الأولى الساعة السادسة تقريباً.
يتناوب الحضور بالقسم أساتذة آخرون كان أهم سماتهم بجانب الكفاءة التمتّع بالأخلاق والتهذيب.كنت أستمتع بالعمل معهم وأتلهف لقاءهم، فقد كانوا يملكون الكثير من الحكايات عن الجريدة والصحافة وكذلك الخبرات. كنت شغوفاً بفهم كلمات وعبارات نتداولها، لكننا لا نتوقف عندها كثيراً. كنت أجمع ما أحب أن أفهمه فى وريقات لأشعار أو آيات قرآنية أو مأثورات لكى أناقشهم فيها وأفهم معانيها وما وراء ظاهرها من بلاغة وكواليس اللغة.
ساعدنى كثيراً فى ذلك الأستاذ عبدالمنعم قنديل، وكان رئيساً لتحرير جريدة اللواء الإسلامى وفقيهاً فى اللغة العربية، والأستاذ عبدالفضيل سرحان، الذى كان يشرح اللغة كأنه يعطينى قطعة شيكولاتة.كانت صالة التحرير فى الصحف بمثابة مصنع الجريدة وبؤرة نشاطها، فيها يتعلم الصحفيون كل أسرار جريدتهم وتاريخها وسياستها التحريرية ويكونون أول من يحصل على الأخبار، قبل أن توجد مصادر الأخبار الشخصية، الموبايل وغيره.