شعب «ابن نكتة».. خفة الدم حتى في عز الأزمات تُحير العالم.. اشهد يا تاريخ

كتب: عبير خالد

شعب «ابن نكتة».. خفة الدم حتى في عز الأزمات تُحير العالم.. اشهد يا تاريخ

شعب «ابن نكتة».. خفة الدم حتى في عز الأزمات تُحير العالم.. اشهد يا تاريخ

الشعب المصرى معروف بخفة ظله وطبعه الساخر، فهو شعب «ابن نكتة» يحول الأزمات والصدمات إلى نكات يرددها من حين لآخر، فالسخرية سمة متأصلة ترتبط بالمصرى منذ قديم الأزل، لكون الحضارة المصرية واحدة من أغنى الحضارات وأكثرها تطوراً فى مجال الفكاهة والدعابة، تجسدت جلياً فى الحكايات والأساطير التى عكسها المصرى القديم منذ آلاف السنين، عبر الجداريات والنقوش المختلفة التى ظهرت على المقابر والمتاحف، لإثبات أن الطابع الساخر ممتد منذ آلاف العصور وحتى وقتنا هذا.

ظهر عشق المصرى القديم للفكاهة والدعابة منذ قديم الأزل، فى صورة الجداريات والنقوشات المختلفة التى ظهرت داخل المتاحف والمقابر، إذ يعكس جميعها الطابع الساخر لدى المصرى القديم، من بينها تلك الجدارية الموجودة داخل المتحف المصرى، التى تؤرخ عصر الملكة حتشبسوت فهى تشير إلى زوجة حاكم بلاد «فونت» ذات الوزن الممتلئ، التى سخر منها المصرى القديم بتدوين بعض العبارات عليها بطريقته الخاصة، التى توحى فيما معناه «كما هو بائس ذلك الحمار الذى سيحمل هذه السيدة» فى إشارة إلى وزنها الكبير، فلم يشر إليها بطريقة مباشرة بل استخدم لغة السخرية للتعبير عن ذلك وفقاً لما رواه إسلام عاصم، أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر بالمعهد العالى للسياحة، خلال حديثه لـ«الوطن».

ومن أبرز الشواهد التى تدل على الحس الفكاهى لدى المصريين، البرديات التى عكست فى مضمونها العديد من المواقف المليئة بالدعابة والسخرية، فظهر بها مجموعة من التصورات الساخرة لعدد من الرسومات من بينها تلك التى ظهر فيها الأسد بصحبة الغزال، وهما يتبادلان لعب «السانيت» وهى إحدى الألعاب المصرية القديمة، التى تشبه إلى حد كبير لعبة الضامة فى عصرنا الحالى، بينما ظهرت رسمة أخرى على شقافة تنتمى إلى العصر القديم، يظهر بها الفأر مستلقياً على كرسى، بينما تقوم القطة بتقديم الطعام له والتهوية عليه، كنوع من السخرية على الأوضاع الاجتماعية حينها التى صورت الفأر وكأنه مَلِك رغم كونه ضعيفاً، والقطة على أنها الخادمة رغم قوتها مقارنة بالفأر، وفقاً لأستاذ التاريخ الحديث.

د. عاصم: البرديات أظهرت الحس الفكاهي عند الفراعنة

وأكد «عاصم» أن المصرى جسد بعض المواقف الساخرة خلال فترة الحكم الرومانى لمصر، ففى أثناء احتلال الإمبراطور الرومانى كاراكلا لمصر، الذى فرض العديد من الضرائب على الشعب المصرى وخاصة أهل الإسكندرية، واجهوها بالسخرية بإلقاء النكات وبعض الرسومات التى باتت موجودة حتى الآن: «الشخصية المصرية الساخرة تلجأ للنكات والرسومات للتعبير عن اعتراضها وعدم موافقتها على ما يدور حولها، هذه طريقتها حتى تأخذ حقها بدلاً من التعبير عنها بشكل صريح وصارم».

ويرى «عاصم» أن قصة تأسيس جمعية الحمير فى ثلاثينات القرن العشرين، كانت أحد الشواهد التى تعكس الجانب الساخر للمصرى القديم، التى أسسها زكى طليمات، اعتراضاً على ما قام به الملك فؤاد بإغلاق معهد الفنون المسرحية، بعد خضوعه للمحتل البريطانى حينها وانضم إلى هذه الجمعية كبار المثقفين والكتاب حينها.

د. هندي: التنشئة الاجتماعية عامل أساسي في روح الدعابة

خفة الظل ترتبط بالعامل النفسى أيضاً، الذى يلعب دوراً محورياً فى تكوين الشخصية المصرية وظهورها صامدة أمام كافة الأزمات التى تتعرض لها طيلة حياتها، ويرى الدكتور وليد هندى، الطبيب النفسى، أن الآثار النفسية المسببة لظهور المصرى بهذه السمات باتت محيرة للجميع، من بينها أن المصرى يتغلب على الأزمات بالسخرية والنكات غير ملقين بالاً لما يحدث حولهم، مما جعلهم يتمتعون بصحة نفسية جيدة، فتركيبتهم جعلتهم يلجأون إلى النكات والسخرية لمواجهة الضغوط والأزمات، وذلك راجع إلى أن التنشئة الاجتماعية التى تربى بها المصرى قائمة على السخرية وتبادل النكات، مما ترتب عليه أن جزءاً من البناء النفسى لدينا مرتبط بالسخرية، فيسعى المصرى إلى تحويل المواقف المختلفة التى يمر بها إلى كوميكسات يتذكرها طيلة حياته، فلا يلجأ بعض الأشخاص أحياناً إلى الحلول العقلية لمواجهة المواقف، بل يفضل مواجهتها بـ«السخرية»، والبعض الآخر يجد أن دوافعه النفسية توجهه لمقابلة مثل هذه المواقف بالسخرية كنوع من الهروب، كما أن هناك أنماطاً شخصية قد تلجأ إلى السخرية كحيلة دفاعية نفسية لإزاحة الضغوط.


مواضيع متعلقة