استمرار الدور السياسي للقوات المسلحة «أمر واقع» لا بد من التعامل معه

استمرار الدور السياسي للقوات المسلحة «أمر واقع» لا بد من التعامل معه
ترصد الدراسة التى صدرت عن مركز الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبى، تحت عنوان: «الجيوش العربية قبل وبعد 2011»، تلك اللحظة التى رأى فيها العالم أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون عاملاً مساعداً فى تغيير النظام القائم الذى يثور الناس على فساده وانعدام كفاءته، بدلاً من أن تكون، كما كان يظن كثير من المحللين الغربيين، مجرد «حارس» يدافع عن الحاكم مهما بلغ فساده أو ظلمه، تقول: «لقد كانت ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربى»، مفاجأة بالنسبة للجميع، سواء فى توقيت انطلاقها، أو فى حجم الحشود التى نزلت وتحركت فى الشوارع، وكذلك فى نجاحها فى الإطاحة بديكتاتوريات عتيدة تتشبث بكراسى السلطة، إلا أن أحداً لا يمكنه أن ينكر أن تحرك الجيش نفسه، ورد فعله أمام هذه الثورات كان أكبر العوامل المفاجئة بالنسبة للجميع».
لماذا شعر الغرب بالمفاجأة أمام وقوف الجيش فى صف المتظاهرين؟ تجيب الدراسة: «قبل أحداث 2011، كان الكل ينظر إلى الجيش على أنه أحد الأعمدة التى تدعم نظام الحكم القائم والموجود فى السلطة، وكان رد الفعل المتوقع من الجيوش فى الدول التى شهدت تغيرات الربيع العربى، هو أن تتحرك لضرب المتظاهرين بيد من حديد دفاعاً عن نظام الحكم واستمراره، كان الناس ينظرون إلى الجيوش العربية بشكل عام، فى تلك الدول التى شهدت عقوداً طويلة من الديكتاتورية العسكرية، والانقلابات والحروب، على أنها مجرد أدوات يستخدمها النظام فى القمع، وليست عوامل يمكن أن تساعد على التغيير، إلا أن ما كشفت عنه ثورات الشعوب العربية الأخيرة ضد حكامها هو أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تتخذ صف المتظاهرين، أو أن تبقى نفسها على الحياد على الأقل. ففى تونس مثلاً، لعبت قيادة الجيش التونسى دوراً محورياً فى تغيير النظام، وفى مصر، انحازت القوات المسلحة لصف المتظاهرين، ليس مرة واحدة ولكن مرتين».[FirstQuote]
وترصد الدراسة حجم التشابك بين المؤسسة العسكرية ونظام الحكم الذى انحازت للناس ضده، تقول: «لم تكن القوات المسلحة عاملاً مساعداً على التغيير وحسب، بل إن أنظمة الحكم نفسها التى اندلعت ضدها الثورات فى المقام الأول، كانت لها جذور عسكرية، كان هذا هو الوضع بالنسبة لدول مثل تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا (وهى الدولة الوحيدة التى اتخذ فيها الجيش صف النظام ضد المتظاهرين)، إلا أن هناك نقطة لا بد من تحديدها فى هذا الأمر، وهى أن ثورات الربيع العربى لم تكن فى الأساس موجهة ضد وجود العسكريين فى الحكم، ولكن ضد فساد وانعدام كفاءة النظام نفسه، والأهم أن تلك الثورات وما جرى فيها كشف عن أن القوات المسلحة سيظل لها دور سياسى يتجاوز حدود مهامها العسكرية فى هذه المنطقة، وأن هذا يعتبر «أمر واقع»، لا بد من التعامل معه».
وتواصل الدراسة رؤيتها لكيفية التعامل مع ذلك «الأمر الواقع» الذى تتحدث عنه، تقول: «لقد غيرت ثورات الشعوب الطريقة التى كان ينظر بها الجميع إلى القوات المسلحة، عادت المؤسسة العسكرية بشكل أو بآخر، لتصبح من جديد ذلك اللاعب السياسى المؤثر الذى كانت عليه فى مرحلة ما قبل السبعينات، وتضع نفسها مرة أخرى فى دائرة الضوء، بصفتها قوة لا يستهان بها، ويمكن الاعتماد عليها، وهو ما يفسر انخراط الجيش فى العملية السياسية فى مصر، ويفسر أيضاً شعور الجيش بأنه يستمد القوة من المجتمع لكى يتحرك. واليوم، وفى ظل أجواء المواجهة العنيفة بين القوى الإسلامية والليبرالية، يتحرك الجيش بشكل يميل إلى القومية والحداثة، بما يجعله أقرب إلى التيار المدنى».
وتتابع: «من الناحية الأخرى، وباعتبارها ممثلاً عن الدولة وأحد أعمدتها، تظل المؤسسة العسكرية عاملاً سياسياً حاسماً فى مرحلة ما بعد 2011، هذا ليس جديداً فى حد ذاته، بل إن الجيش كان دائماً أحد العناصر المساهمة فى عملية التغيير، فمعظم أنظمة الحكم لم تكن تتغير إلا بتدخل مباشر من الجيش، أو على الأقل بدعم الجيش ومساندته للأنظمة الجديدة فى الوصول للسلطة، كما حدث فى عامى 2011، و2013 فى مصر».