«الوطن» في «أسقع» مكان بمصر.. سانت كاترين الحياة «تحت الصفر»

كتب: محمد أبوضيف

«الوطن» في «أسقع» مكان بمصر.. سانت كاترين الحياة «تحت الصفر»

«الوطن» في «أسقع» مكان بمصر.. سانت كاترين الحياة «تحت الصفر»

تتماهى مبانى وبيوت المدينة مع الجبال المحيطة بها، وكأنها نُحتت فى الوادى الصغير، بعدما بُنيت من صخورها، فنزع البدو من أهل المدينة عنها قسوتها، وصارت لهم برداً وسلاماً، الصخور ذات الحمرة القاتمة نفسها، تتداخل مع الأخضر اليانع، بينهما ينساب الأبيض فى بعض الأحيان، حينما يسقط فى يناير وفبراير من كل عام على مدينة سانت كاترين، الواقعة فى وسط شبه جزيرة سيناء، على هضبة تعلو 1600 متر عن سطح البحر، لتتحول المدينة بحق إلى مدينة لـ«الثلوج»، تنتظرها فى كل عام، حين تلوح السحب فى الأفق ذات صباح، محتضنة قمم الجبال، قبل أن تطليها بالثلوج، لتصير المكان الأشد برودة والأكثر بياضاً فى مصر، فيعيش أهلها طوال فترة الشتاء فى درجة حرارة تحت «الصفر».[FirstQuote] تنتظر مدينة «سانت كاترين» تساقط الثلوج عليها بين آن وآخر، ومع الثلوج يعد أهل المدينة العدة، فيعيش الغالبية منهم على مهنة «دليل متسلقى الجبال»، أولئك الذين يتوافدون على جبال سانت كاترين، حين تتساقط الثلوج كل عام، لمشاهدتها فى القمم، فيما يقبع أهل المدينة من أصحاب البيوت التى تتاخم الجبل، تحت رحمة الثلوج التى تجمّد أجسادهم، وتغرق منازلهم غير المسقوفة. «جينا أسقع مكان فى مصر فى أسقع وقت فى مصر، لكن لا طلعنا جبل ولا شفنا تلج»، يقولها أشرف نادر، مهندس «IT» بملابسه الثقيلة وابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه ناصعة البياض التى ظهرت من بين الشال المتلفع به، يداوم «أشرف» على زيارة سانت كاترين كل عام لصعود جبل «موسى»، فيُشاهد الثلوج المتساقطة على قمة الجبل فى تلك الفترة من العام، لكنه صُدم ومجموعته التى سلكت طريقها منذ الصباح فى اتجاه «الدير»، بقرار شرطة السياحة منع صعود الجبال، نظراً لبرودة الطقس، وهى سابقة أولى من نوعها، خوفاً من تكرار حادث قتلى العاصفة الثلجية فى العام المنصرم.[SecondImage] رحلة الشاب العشرينى بدأت من مدينة «دهب» قبل أيام، برفقة فريقه «تور جايز» اقتطع منها الصعود لقمة قبل موسى مع تساقط الثلوج، وانتهت بزيارة «الدير»، رغم إيمانه أن الطقس يسمح بالتسلق لقمة الجبل دون معاناة، لكن الأمن داوم على الرفض فى مواجهة إلحاحه على الصعود: «رغم أن الهواء نسبياً كويس ولكن الأمن برده رفض»، فالرجل وفريقه الذى أسسه عام 2009 هو وزوجته حتى وصل عدد المشتركين فيه إلى 4000 مشترك من أنحاء الوطن العربى، لا بد له فى كل عام من زيارة جميع المناطق الطبيعية والخلابة فى مصر: «كل سنة بنيجى هنا عشان نشوف التلج، ونحاول ننشن على التوقيت الصح، بس مفيش ولو مرة واحدة لحد دلوقتى ظبطت». لم تؤثر حادثة مصرع الشباب الستة جراء العاصفة الثلجية على جبال «باب الدنيا» فى العام الماضى على رغبة «نادر» وفريقه، بل يؤكد أن ما حدث العام الماضى كان فى جبال «باب الدنيا» وهى منطقة خطرة وغير مأمونة، على العكس من جبل «موسى»: «جبل موسى كله استراحات وفى حركة مستمرة ناس طالعة وناس نازلة، وفى أسوأ السيناريوهات لو حدثت موجة برد وإحنا فوق، هنستريح فى أى رست»، لا يغامر «أشرف» بأكثر من صعود جبل موسى، ولا يقترب من أى جبل من تلك الجبال المتاخمة له: «ده المكان الوحيد فى مصر اللى بينزل فيه تلج سانت كاترين، وإحساسك إنك فى تانى أعلى قمة فى مصر، وبتشوف الشروق من فوق متعة تستحق المغامرة والمخاطرة»، ويضحك ويقول: «مش عايز أضايق الشباب اللى أول مرة ييجوا كاترين وكانوا عايزين يطلعوا»، ينطلقون فى الضحكات، التى تدفع الدموع من أعينهم من شدة الهواء والصقيع. من خلف طاقية «أحمد فراج» الثقيلة، يظهر «العجل الذهبى» المنحوت فى الجبل فى الطريق إلى «دير سانت كاترين»، يعدل «فراج» من رقبته التى جذبها انبهاره بالرسم المنقوش، فهى المرة الأولى له فى «سانت كاترين»، ويقول بصوت مبحوح: «الرحلة كانت بالنسبة لنا صعود جبل موسى، وزيارة سانت كاترين».[SecondQuote] معاناة «فراج» الذى يعمل مهندس معدات طبية لم تكن فى رفض الجهات الأمنية صعوده للجبل، ولكنها بدأت منذ المحاولات المضنية لإقناع أهله بأن صعود جبل «موسى» يختلف عن صعود «باب الدنيا»، صاحب الحادث الشهير: «قلت لهم المكان اللى حصل فيه الحادثة فين وحالته إيه وجبل موسى شكله إيه ووضعه إيه بالظبط، والاستراحات اللى فيه»، ولكن فى النهاية استعان بـصديقه «نادر» للوقوف أمام تلك الاعتراضات التى كادت أن تجهز على حلمه بزيارة المنطقة السياحية الوحيدة التى لم يزرها فى مصر: «لفيت مصر كلها وزرت كل الأماكن السياحية ماكانش باقى غير إنى أشوف التلج على جبل موسى فى فصل الشتا»، ولن يمل «فراج» من الانتظار حتى صعود جبل موسى: «اللى شايفنى مجنون عشان طالع جبل فى الجو ده أشوف الطبيعة، أقوله إن الموت ممكن يجيلك تحت رجلك وانت قاعد تحت البطانية وبتتفرج على التليفزيون». رغم كل المخاوف والصقيع فى الجو، يتشبث «فراج» بخبرة أصحابه ورفقائه فى الرحلة فى صعود جبل موسى: «المخاطرة محسوبة برضه والواحد عارف ماشى مع ناس عندها خبرة فى القصة ديه، وأهم حاجة إن الجبال لازم يكون فيها رسك شوية»، يداوم الشاب دائماً على قهر الخوف: «أول حاجة لازم تكسر حاجز الخوف ضد أى حاجة عشان الخوف ما يقهركش»، يشعر «فراج» أن النحس يرافقه، فحين قرر أول مرة الصعود لجبل «موسى» منعه الحادث الأليم، واليوم لا يزال الحادث يلقى بظلاله ويمنعه من التسلق، يعود ليقول إن اختياره وقت الثلوج لصعود الجبل يرجع لرغبته فى الاستفادة بأكبر قدر من رؤية الطبيعة الخلابة: «أكتر وقت مناسب للمكان وأكتر وقت تستمتع فيه، وأكبر وأحسن تجربة من الرحلة»، مؤكداً أن فكرة فريق «تور جايز»، جمع الشباب على حب استكشاف أماكن جديدة وحب المغامرة: «الأماكن ديه بييجى ليها ناس من أقصى بلاد العالم، فى ناس بتتولد وتعيش وتموت وما تروحش نص الأماكن اللى بنروحها». فى مقدمة الفريق كان هناك «معتز صلاح» بملابسه الثقيلة، وحقيبة ظهره المملوءة عن آخرها، يتقدم بزهو نحو «الدير» الذى يعد طريقه بداية الطريق لتسلق معظم جبال سانت كاترين، ينتظر ملياً، يلتقط أنفاسه، يقف بالقرب من نهاية المطلع وعلى بعد من بوابة «الدير»، يتنحى جانباً من الطريق ومعه يقف الجميع ليلتقطوا الصور «السيلفى» مع الجبال، ينسلخ «معتز» من وسط المجموعة ويقول لـ«الوطن»: «دى تانى مرة أطلع الدير، وسانت كاترين بوجه عام»، ويقول إن أهم الاستعدادات لرحلته دائماً إلى تسلق الجبل هى الملابس الثقيلة: «الصعود مش محتاج استعداد قوى، والموضوع مش صعب زى ما أنت متخيل»، فالطريق إلى قمة جبل موسى حسب وصفه، ممرات ممهدة وفى نهايتها 750 درجة سلم.[ThirdImage] «اللى بنعمله ده مش تسلق نقدر نسميه صعود، وعشان كده مش بنحتاج معدات كتير ولا تجهيزات كتير»، يقولها بصعوبة، فالصقيع يزداد، وبرودة الجو بالوقوف على مرتفع تثقل شفتيه، فلا يقوى على الحديث بسهولة ولكن يقول: «المصريين زى حالاتنا مش بياخدوا أدوات» ويستطرد: «لكن بنشوف مع الأجانب معدات كتير.. هما بياخدوا بالهم أكتر مننا من نفسهم». بالقرب من بوابة الدير، اصطف عدد من سيارات التاكسى الأبيض، وإلى جوارهم وعلى بعد من الجبال المرتفعة، يجلس «سعيد فرج» يوقد الحطب، ويضع عليه «كنكة» شاى مطلية بسواد الفحم، ليحتسى كوباً من الشاى البدوى المميز، فالرجل السبعينى يجلس ينتظر ما تجود به الأيام بعدما أغلقت شرطة السياحة الطريق للجبل، وأوقفت عمله كدليل، ويقول بلهجته البدوية: «الشباب المصريين اللى بيتسلقوا الجبال زادوا بعد حادثة السنة إلى فاتت»، فالرجل يجد فى الحادث أصدق دليل على مقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد» فهى كانت بمثابة الدعاية لسانت كاترين ورحلات السفارى وتسلق الجبل: «المصريين زادوا الضعف بعدها والله»، ويستطرد قائلاً: «بس نعمل إيه قفلوا الجبل وأدينا قاعدين من غير شغلة ولا مشغلة، واليومين دول أكتر وقت بييجى فيه المصريين عشان يشوفوا التلج». يقطع «ياسر سالم» سائق تاكسى، حديثه يقول بامتعاض شديد، وصوته الأجش، والغترة تسقط من على رأسه لتغطى جزءاً من ملامحه وبشرته السمراء: «والله اللى بيحصل ده قطع عيش وإحنا مش ناقصين»، ويقول إن المصريين كانوا يمثلوا 4% من السياح، لكن بعد حادثة العام الماضى أصبحوا أكثر من 10% «وآديك شايف آدينا قاعدين بننش»، ويؤكد أن منع صعود الجبال جاء بالوبال على الجميع من أول الدليل حتى «الجمّال» بخلاف أصحاب الكافيتريات التى تصطف على طريق جبل موسى: «السنة كلها بنستنى نزول التلج وهما يقفلوا الجبل قبلها بكام يوم». على صخرة كبيرة بالقرب من مطلع جبل سانت كاترين، يجلس «صالح فتيح» بالغترة والعقال والجلباب الذى يعلوه جاكيت جلدى ثقيل، يفرش بضاعته من الأعشاب التى يبيعها للصاعدين إلى الجبل، ورغم إغلاق الجبل ومنع الصعود ولكنه يظل فى الانتظار: «يمكن يفتحوه بين اللحظة والتانية وربنا يكرم والأيام ديه مش بتتكرر»، ينتظر الرجل كبقية أهل سانت كاترين من العاملين مع السياح سقوط الثلوج على قمم الجبال: «ده خير لينا كلنا وباستناه من السنة للسنة»، ويؤمن الرجل بأن البرد يأتى ومعه الخير وهو الثلوج، فبسببه يزداد السياح: «الجمّال والدليل وكله يشتغل».[ThirdQuote] قبل أيام كان الرجل يجمع الحطب وأولاده الأربعة لمنزلهم بوادى «السباعية» التابع لسانت كاترين، تحسباً لسقوط الثلوج والسيول، ويقول «فتيح» بصوت هادئ، إن مع زيادة الثلوج تتجمد المياه داخل مواسير الشرب، التى تأتى لسانت كاترين كل عشرين يوماً، حسب قوله، فى سيارات توزع المياه على أهل المدينة: «كل واحد يدفع عشرة جنيه تجيله عربة الميه بعد عشرين يوم تديله 7 متر»، ولأن المياه لا تكفيه فيقوم بالرجل بدق بئر فى الجبل ليشرب منها هو وأولاده، ولكن مع تساقط الثلوج تهدم البر وتسد عينها ويعيد حفر واحدة جديدة عاماً بعد الآخر، ليوفر حاجة بيته من المياه. ليست أزمة المياه وحدها التى تؤرق بائع الأعشاب، فحسب قوله، فإن الكهرباء وقت السيل والثلوج من الممكن أن تقطع لمدة سبع ساعات يومية، نظراً لزيادة الضغط عليها: «البيوت بردانة طبعاً وكل واحد مشغل له دفاية ولا بابور بيدّفى عليه» وقبل أن تنقطع الكهرباء يسمع دوى انفجار: «أجهزة مولدات الكهرباء اللى فى الشركة اللى بتوصل لنا النور بتضرب، من السقعة والضغط»، ورغم كل ما يحل بالرجل وأهله ما زال يقول: «بس برضه التلج خير للكل». مدق أسفلتى صغير يكفى لعبور عربة واحدة، يبدأ بمنحدر كبير، وينتهى بالصعود إلى أعلى بشكل مفاجئ، كما لو كان فى إحدى أكبر دور للملاهى، وفى نهايته تصل إلى عدد من المنازل، تحت جبل «السرو» شكلها يغاير طبيعة باقى بيوت «كاترين» المبنية من أحجار الجبال، فهى مبنية من الحجر الأسمنتى، تقع أسفل الجبال مباشرة فى نهاية مدينة «كاترين»، ويكاد بعضها تكون جدرانه فوق صخور الجبال، مغطاة بأغطية بلاستيكية مملوءة بمياه الأمطار التى تساقطت ليلة أمس الأول، ومن تحتها ألواح خشبية متهالكة، وأمامها تقبع النساء يخبئن وجوههن من الأغراب، والرجال يقابلون القادمين بالترحاب. حجرة صغيرة، فى أحد جوانبها كومة من «البطاطين» القديمة، وعلى أرضها فرشة صغيرة، وفى الجانب الآخر تليفزيون وُضع على طاولة خشبية قصيرة، جدران الحجرة من الطوب الأسمنتى، وفى داخلها تجلس «عيدة سلمة» وابنتها، تخبئ وجهها باللثام، وتقول إنها تسكن هى وابنتها داخل تلك الغرفة التى أعطاها لها شقيقها بعد طلاقها، وتشير إلى سقف الغرفة المكون من أخشاب متراصة تظهر من بين ثناياها بعض أضواء الشمس، وبيدها الأخرى تحضر عدداً من الأوانى كانت فى نهاية الغرفة، تضعها حين تسقط الأمطار، تحت فتحات السقف لتستطيع أن ترقد على فرشتها دون أن تغرقها الأمطار: «كفاية الفرشة اللى بنكون نايمين عليها تبقى مبلولة». تقول «عيدة» إنها جاءت إلى المتاخمة مباشرة للجبل بعدما لم تجد مكاناً تسكن فيه، وإن الغرفة تغرق بالمياه، ولا تستطيع الخروج أثناء المطر والثلوج فتظل بين مياه غرفتها الغارقة لمدة تزيد على أسبوع: «السقف عايز رمل وبلاستيك وخرسانة، ومش معايا إمكانية إنى أعمله»، ورغم كل ذلك يظل شغلها الشاغل هو تأخر عربة «أنابيب البوتاجاز» لأنها تستخدم «شعلتها» للتدفئة طيلة النهار أثناء السيول والأمطار: «ولما بتخلص الأنبوبة بنام تحت البطانية المبلولة هاعمل إيه يعنى؟»، وتحاول أن تخزن عدداً من «جراكن» المياه بعيداً عن مواسير المياه التى تتجمد من شدة البرد القارس. على مبعدة من منزل «عيدة»، يجلس «سالم صالح» من قبيلة الجبالية، أمام موقد يحاول التدفئة على نيرانه، ويقول إنه أفاق من نومه على التو بعدما سقطت عليه بعض قطرات المياه المتراكمة على سقف منزله المكون من حجرتين، إحداهما للمعيشة، والأخرى لتربية الماعز، فالرجل الذى كان يعمل جمالاً يجلس داخل منزله عاطلاً عن العمل بعد نفوق جمله: «آدينى لا شغلة ولا مشغلة»، وعلى مقربة من الباب، تظهر حجرة صغيرة غير مسقوفة، وليس بها سوى «قعدة بلدى»، ويقول وقد عقد بين حاجبيه: «حد يستحمى فى الشتا ده والبرد ده فى حمام من غير سقف ولا حتى يقضى حاجته فيه؟»، ولكن كل ما يتمناه هو سقف غرفة الماعز: «دول الباقيين عشان نأكل عيالنا». على مقهى يتوسط المدينة، يتجمع عدد من شباب «كاترين» ويجلس «أحمد أبوعلوان» أحد شباب قبيلة الجبالية، الغترة البدوية تغطى رأسه ويحمى أذنيه بأغطية بلاستيكية، يعمل دليلاً سياحياً بجبل موسى، ويقول إن الأجواء فى سانت كاترين مستقرة، رغم أن المدينة تعيش فى درجة حرارة تحت الصفر، والكل ينتظر الثلوج: «عشان أكل العيش» ولكن يشير إلى المنازل التى تقطن سفح الجبل، ويؤكد أنهم لا يأخذون من الثلج سوى صقيعه، وأن أكثر ما يمتلكونه هو «الحطب»، مشيراً إلى أن المنازل هنا تُبنى بالطوب الأسمنتى بملاصقة طوب حجرى من الخارج، لأنه يزيد التدفئة: «بالذات الناس اللى جنب الجبل مابتقدرش تكسى بيوتها بالحجر».