بعد طرد «الكوادر الإخوانية» من «الأعلى لمسلمي ألمانيا».. ورقة بحثية لـ«المصري للدراسات الاستراتيجية» حول تاريخ مواجهة «برلين» لـ«الجماعة الإرهابية»

بعد طرد «الكوادر الإخوانية» من «الأعلى لمسلمي ألمانيا».. ورقة بحثية لـ«المصري للدراسات الاستراتيجية» حول تاريخ مواجهة «برلين» لـ«الجماعة الإرهابية»
- المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
- الدراسات الاستراتيجية
- الحكومة الألمانية
- الإخوان
- الإرهاب
- ألمانيا
- المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
- الدراسات الاستراتيجية
- الحكومة الألمانية
- الإخوان
- الإرهاب
- ألمانيا
خطوات كثيرة تتخذها العديد من دول العالم، في محاولة للحد من خطر جماعة الإخوان الإرهابية على بلادهم، من بين هذه الدول ألمانيا، عندما قام المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا، قبل أيام، بطرد كافة الواجهات الإخوانية من عضوية المجلس، وفي مقدمتهم المركز الاسلامي في ميونخ، واتحاد الطلاب التابع للإخوان المسلمين، كما قام بتجريد الرجل الأول للتنظيم الدولي للجماعة في ألمانيا، إبراهيم الزيات، المعروف بـ«وزير مالية الإخوان»، من كافة مناصبه داخل الاتحاد.
جاءت هذه الخطوة، ضمن جهود كبيرة تقوم بها السلطات الألمانية مؤخرا، لتحجيم نشاط جماعات الإسلام السياسي، الأمر الذي دفع منى قشطة، الباحثة في برنامج الأمن وقضايا الدفاع بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إلى عمل ورقة بحثية تبرز فيها تاريخ «الجماعة الإرهابية» في ألمانيا، وكيف واجهتها السلطات الألمانية.
تنامي خطر جماعة الإخوان في ألمانيا
تقول الورقة البحثية لـ«منى»: «إن وصول الإخواني المصري سعيد رمضان، صهر مؤسس الجماعة حسن البنا، إلى ألمانيا كان في أواخر الخمسينيات واتخاذها ملاذًا بعد حملة الملاحقات ضد عناصر الجماعة في مصر عام 1954، بداية عهد ألمانيا بالإخوان عندما اتخذ ميونخ كنقطة انطلاق مبكرة لتأسيس شبكة للإخوان المسلمين في أوروبا، حيث تولى السيطرة على لجنة كان هدفها المعلن بناء مسجد في ميونيخ عام 1961، وبالتعاون مع القيادي السوري الإيطالي غالب همت، ورجل الأعمال المصري يوسف ندا، أصبح المسجد، المعروف باسم «المركز الإسلامي بميونخ»، المقر الأول للإخوان في ألمانيا وأوروبا، واتضح انتماء المسجد الوثيق لجماعة الإخوان بين عامي 1984 و1987 عندما عاش فيه المرشد الأعلى للإخوان السابق مهدي عاكف، وشغل منصب إمامه.
وأضافت: «تطورت لجنة بناء المساجد لتصبح نواة لشبكة من المساجد والمراكز والجمعيات في جميع مدن ألمانيا الغربية الكبرى، سُميت عام 1982 بالجماعة الإسلامية في ألمانيا، وبالتوازي مع دور الإخوان المصريين كان نظرائهم السوريين ممثلين في مدينة آخن القريبة من الحدود البلجيكية بقيادة القيادي الإخواني السوري عصام العطار، وظل الفرعين المصري والسوري مستقلين عن بعضهما البعض لكنهما تعاونا في بعض الأحيان بشكل مكثف».
وتتابع: «في البداية سمح تغافل الحكومة الألمانية عن موضوع الإخوان المسلمين بتوسع الجماعة وانتشارها داخل البلاد، حيث ركز الفرع المصري جهوده التنظيمية على «الجماعة الإسلامية»، بميونخ والتي سيطرت على مراكز إسلامية أخرى في فرانكفورت وماربورغ ونورمبرغ وشتوتغارت وكولونيا ومونستر وبراونشفايغ ومدن أخرى، وتمتعت بتأثير كبير داخل المجتمع الألماني عكسه مشاركة عدة آلاف من الشباب المسلمين في اجتماعاتهم السنوية.
وتوضح: «أهم المراكز التابعة لها، المركز الإسلامي في كولونيا، (تأسس عام 1978 ويرتبط بالجالية الإسلامية التركية)، واتحاد الطلاب المسلمين الألمان، (تأسس عام 1964 ويضم العديد من جمعيات الطلاب المسلمين في الجامعات الألمانية)، وهنا يبرز اسم المصري الألماني إبراهيم الزيات، رئيس مركز كولونيا منذ عام 1997، والذي نصب نفسه كأبرز ممثل للإخوان في ألمانيا، وبرز كعضو قيادي في العديد من المنظمات الشبابية الإسلامية، أما الفرع السوري للجماعة، وهو المركز الإسلامي في آخن، فتأسس عام 1978 كهيئة مسؤولة عن جمعية المساجد برأسه عصام العطار، الرئيس السابق للإخوان في سوريا والذي غادرها في الخمسينيات، الذي أقام علاقات قوية في بلجيكا وفرنسا وحافظ على علاقات وثيقة مع مركز ميونيخ».
واستكملت: «لم تولِ الحكومة الألمانية اهتماما جديا لوجود الإخوان في البلاد حتى أوائل الثمانينيات، نظرًا لافتقارها إلى فهم أهمية الجماعات الإسلامية بشكل عام، واعتقادهم أن النزاعات بين الإخوان المسلمين وحكوماتهم شأن داخلي يخص بلدانهم ولا يهم ألمانيا، لكن بعد الثورة الإسلامية الإيراني عام 1979 وحتى 2010، حظيت الإسلاموية والإخوان المسلمين باهتمام أكبر من الحكومة الألمانية، رغم أن العديد من صانعي السياسة لم يدركوا خطورتها بشكل كافي وكان يُنظر إليها على أنها حركة رجعية التوجه ولن تلعب أي دور رئيسي في مستقبل العالمين العربي والإسلامي، ولذلك كانت أجهزة المخابرات الألمانية فقط هي المسؤولة عن الاتصالات القليلة مع جماعة الإخوان».
واستطردت: «مهم الإشارة هنا إلى تأثير هجمات 11 سبتمبر 2001 على تعاطي ألمانيا مع الجماعة، حيث دفعت الأولى لإلقاء نظرة فاحصة على الأخيرة تمامًا مثل المنظمات الإسلامية الأخرى، وكلفت وزارة الخارجية قسم تم إنشاؤه حديثًا ضمن الشؤون الثقافية بإجراء اتصالات مع جميع النشطاء المسلمين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، وتبين لهم الصلات بين الجماعة الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (مركز تنسيق أنشطة الجماعة في أوروبا)، كما أدت التقارير الإعلامية حول صلات الإخوان بشخصيات مثل إبراهيم الزيات إلى إبقاء اهتمام السياسيين بهذه التطورات».
وتابعت: «في تلك المرحلة دارت نقاشات بشأن قبول الإخوان كشريك في المبادرات الحكومية، وهو ما توج بتمثيلها ضمن المنظمات الإسلامية الخمس الجامعة من قبل المجلس المركزي للمسلمين في مؤتمر الإسلام الألماني، الذي نظمته وزارة الداخلية الفيدرالية في سبتمبر 2006، بهدف التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن المبادئ التوجيهية للتفاعل بين المسلمين وغير المسلمين، وحصلت الجماعة خلاله على اعتراف رسمي بمشاركتها، لكن كان هذا على الصعيد المحلي فقط بينما ظلت السياسة الرسمية رافضة للاتصال مع الجماعة في الشرق الأوسط.
وأوضحت الورقة البحثية: «هذه السياسة تحولت عقب أحداث ما سُمي بالربيع العربي عام 2011 عندما اضطرت الحكومة الألمانية لتبني سياسة الانخراط الحذر، وانتهاج نهج براجماتي في التعاون مع الجماعة التي باتت فاعلًا رئيسيًا في بعض الدول الشرق أوسيطة، وقد ظهرت أسس تلك السياسة في ورقة داخلية أعدتها وزارة الخارجية بعد فوز حزب النهضة التونسي بأكثر من 40% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في نوفمبر 2011 حيث قدمت الورقة الخطوط العريضة لاستراتيجية التعامل الحذر مع الإسلاميين في العالم العربي».
وأشارت إلى أنه: «تعتبر الورقة محاولة لإنشاء أساس عمل مشترك للاتحاد الأوروبي مع الجماعة، حيث افترض مؤلفوها أن الأحداث في العالم العربي ستؤدي إلى دور أكثر تأثيرًا للإسلام السياسي وأن ما وصفوه بالأحزاب المعتدلة (تلتزم باللاعنف وسيادة القانون والديمقراطية بحسب الورقة) ظهرت بالفعل أو من المرجح أن تظهر كأقوى الأحزاب في الانتخابات في تونس ومصر ودول أخرى ومن المرجح أن تكون في موقف قوي للتأثير على العملية الدستورية في البلدين».
ولفتت إلى أن: «الوثيقة صنفت صراحةً جماعة الإخوان كواحدة من هذه الأحزاب والحركات الإسلامية المعتدلة، لكنها أضافت بعض كلمات الحذر، مشددة على ضرورة ترجمة مواقف تلك الجماعات المعتدلة – بحسب الوثيقة – إلى أفعال سياسية ديمقراطية، وقد صاغت الورقة مبادئ توجيهية للتعامل مع الإسلاميين، أهمها أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون مستعدًا للحوار مع الإسلاميين المعتدلين المذكورين حول قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية ملموسة دون تجاهل الاختلافات الأيديولوجية، مع تكليف السفارات بـتكثيف الاتصالات مع الأحزاب الإسلامية، على أن يتم تحديد المجموعات المؤهلة للحوار وفق معايير الالتزام بمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، والتعددية وحقوق الإنسان، ورفض العنف السياسي، واحترام الالتزامات والمعاهدات الدولية، والنهج البناء القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط».
وأضافت: «مع تصاعد خطر تنظيم داعش وتهاوي حكومات الإخوان في الشرق الأوسط، انتبهت الحكومة الألمانية لضرورة تكثيف جهود مكافحة التطرف الإرهاب، بما في ذلك جماعة الإخوان التي ثبُت أنها التنظيم الأم الذي انبثقت عنه كافة التنظيمات الجهادية، وشمل ذلك سن تشريعات تقيد مصادر التمويل الأجنبية للجماعات الإسلامية، وتحديد خريطة التمويل من المساعدات المالية الحكومية، والإعفاءات الضريبية، والاستثمارات مثل العقارات، وتنظم أنشطة الإسلاميين».
واستطردت: «منذ مطلع عام 2022 تتابعت تحذيرات التقارير الاستخباراتية الألمانية من تنامي خطر جماعة الإخوان الإرهابية، التي تتحدث الأوساط هناك بأن خطرها على ألمانيا وأوروبا بشكل عام يفوق بكثير خطر الجماعات الجهادية كتنظيمي داعش والقاعدة. أحدث مؤشرات ذلك، تقرير صدر خلال سبتمبر الجاري عن هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية)، والذي أشار إلى وجود نحو 1450 عنصرًا في ألمانيا من المنتمين لجماعة الإخوان الإرهابية، ارتفاعًا من 1350 في عام 2019.
وأوضحت: «لفت التقرير إلى المقاربة طويلة المدي التي تنتهجها الجماعة والكيانات التابعة لها، لنشر أيدولوجيتها وأفكارها في المجتمع الألماني، والتي تبرز بشكل كبير في ساحة الفضاء الإلكتروني؛ إذ كشف التقرير على سبيل المثال عن قيام إحدى الجمعيات المقربة من الجماعة بتقديم برامج تعليمية عبر الإنترنت باللغة الألمانية لاستهداف الأشخاص غير الناطقين باللغة العربية، وإلى جانب محاولات الجماعة لجعل أيدولوجيتها -المناهضة للدستور الألماني حسبما وصفتها التقارير- مقبولة اجتماعيًا في الأوساط الألمانية، عملت كذلك عبر أذرعها المختلفة على توسيع نشاطها السياسي على المستويات البلدية والإقليمية».
وتابعت: أنه في السياق ذاته، اكتسبت مسألة تمويل الإسلام السياسي زخمًا كبيرًا خلال الأشهر الفائتة، لاسيما بعد الكشف عن قيام مؤسسة «أوروبا ترست» التي يقع مقرها الرئيسي في بريطانيا وتعد واحدة من أهم المؤسسات المالية التابعة للإخوان، بالاستحواذ علي عقار في حي فيدنج ببرلين، مقابل 4 ملايين يورو، تحوّل للعمل كمقر لبعض المنظمات الإخوانية، الأمر الذي دفع أحزاب الاتحاد المسيحي، والبديل من أجل ألمانيا، واليسار إلى تقديم مشاريع قرارات وطلبات إحاطة للحكومة الألمانية للتحقيق في هذا الشأن، وهو ما استجابت له الأخيرة بتأكيد قيام وحدة الاستخبارات المالية المعنية بفحص حالات غسل الأموال وتمويل الإرهاب بإجراء تلك التحقيقات دون تقديم معلومات وافية بشأن مسارها أو تفاصيلها».
جهود حثيثة
وأوضحت الورقة البحثية أن شهدت ألمانيا خلال العام الجاري العديد من الجهود الهادفة إلى إفشال مخططات جماعات الإسلام السياسي - وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية- على أراضيها، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر:
• قرار أعضاء المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا في يناير 2022، بطرد منظمة «التجمع الإسلامي في ألمانيا» (DMG)، والتي تعد إحدى الواجهات التي تتخذها جماعة الإخوان ستارًا لممارساتها، وذلك بعد أن جُمدت عضويتها داخل المجلس منذ ديسمبر 2019. وتُشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن أعضاء المنظمة بلغ عددهم نحو 1450 عضوًا، وكذا اعتبرتها هيئة حماية الدستور منذ عام 2020، جزءًا من الشبكة العالمية للإخوان، بناء على التشابكات الوثيقة في هياكلها ومناصبها مع الجماعة.
• خلص مشروع قرار أُدرج في مارس 2022، لحزب البديل من أجل ألمانيا، إلى تجفيف منابع تمويل جماعات الإسلام السياسي من خلال تشديد الرقابة حول مصادر تمويل أنشطتها في ألمانيا.
• ناقش البرلمان الألماني في إبريل 2022 مشروع قرار حزب الاتحاد المسيحي حول منع تمويل الإسلام السياسي في ألمانيا، والذي ركزت بنوده على إلزام المنظمات بالكشف عن مصادر تمويلها، وتعزيز السلطات المخولة للاستخبارات الداخلية في التحقيقات المالية المتعلقة برصد وتتبع مصادر تمويل تلك المنظمات، فضلًا عن دعوة الحكومة الفيدرالية للشروع في بدء حوار مع إدارات المساجد المحلية لتعزيز الانفتاح والشفافية في الأمور التمويلية، إلى جانب تعزيز الدور الذي يقوم به فريق خبراء الإسلام السياسي الذي شكلته وزارة الداخلية في يونيو 2021 لبحث ودراسة أنشطة التيارات التنظيمات المرتبطة بتيارات الإسلام السياسي وفي القلب منها جماعة الإخوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن السلطات الألمانية قررت بشكل مفاجئ إنهاء عمل فريق الخبراء مُؤخرًا دون إبداء أسباب توضيحية لدوافع هذا القرار، الأمر الذي أثار هجومًا كبيرًا على الحكومة الألمانية وأُتهمت بالتراجع في جهودها لمكافحة خطر الإسلام السياسي.
• في يوليو 2022، تقدم حزب اليسار المعارض بطلب إحاطة في البرلمان الألماني لمساءلة الحكومة الألمانية عن التحقيقات التي أجريت من الأجهزة المعنية منذ عام 2017، وتتضمن تورط منظمات إسلاموية في قضايا تمويل النشاط الإرهابي، وتساءلت كذلك عن حالات الاشتباه التي تورطت فيها منظمات أو أشخاص من المنتمين للأوساط الإسلاموية في ألمانيا. سبق هذا، إحاطة أخري تقدم بها نفس الحزب حول الروابط بين التنظيمات الإسلاموية الألمانية ونظيرتها النمساوية، والتي أثيرت بشكل واضح –حسبما أشارت ديباجة طلب الإحاطة- في هجوم فيينا الإرهابي في نوفمبر 2022؛ عندما التقي منفذ الهجوم شركاء آخرين مقيمين في الأراضي الألمانية.
وعلقت «منى» في نهاية وقتها البحثية قائلة إن القرار الأخير للمجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا بطرد كافة الواجهات الإخوانية من عضوية المجلس، يأتي في إطار سلسلة الضربات الموجعة والجهود المكثفة للسلطات الألمانية والدول الأوروبية بشكل عام، الهادفة إلى تطويق واستئصال الخطر المتنامي لجماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية.