اسأل الحصان!
وقف الرجل في ممر ضيق فوق منحدر جبلي، يشاهد تصاعد سحب الغبار القادمة من الأعلى، وحين بدأت ملامحها في الظهور اتضح أنها بفعل رجل على صهوة جواده الذي يسير بسرعة كبيرة، ما دفع الأول للابتعاد فورا عن المسار حتى لا يدهسه الحصان المسرع، ويبادر بسؤال الراكب: «إلى أين أنت ذاهب لتسير بمثل هذه السرعة!؟»، ليجيب الآخر: «لا أعرف.. اسأل الحصان!».
يمثل الحصان؛ كل مخاوفنا وصدماتنا وإحباطاتنا، واندفاعاتنا، وهي ما تجعلنا نسير بسرعة كبيرة على غير هدى، لدرجة تعجزنا عن الإجابة حتى على سؤال بسيط «إلى أين نذهب؟»، كثير منا يغرق حتى النخاع في مشاكله، لدرجة أنه يقع أسيرها ولا يستطيع حتى أن يوجه دفة حياته أو يعرف إلى أن تأخذه الأيام.
يقول صديقي: «مشاكلي تسيّرني، فقد فقدت أي معنى للحياة، الموت لا يفرق معي، بل سيكون راحة لي بالفعل، فلماذا أعيش، طالما أنني لا أستطيع الوصول إلى ما كنت أحلم به!؟»، وتقول صديقة أخرى: «مللت كل شيء، أحلام، طموحات، آمال، كلها تخبو مع كل عام يمر من العمر دون الوصول لنجاح أو نتيجة إيجابية»، أنا هنا لا ألومهما وغيرهم الكثير ممن فقد الشغف الذي يعد عنصرا أساسيا للحياة، وفقدانه يمثل بداية التراخي والبعد عن مسار الأهداف.
على النقيض.. أرى صديقة أخرى مندفعة، ولكنه اندفاع إيجابي هذه المرة، تقودها أحلامها وتسعى لتوظيفها بصورة سليمة، لا تدع الإحباط يتسلل إليها، بل تتغلب على العوائق وتحاول بكل قوة وعناد تصحيح مسار حياتها، لتقود هي الحصان، بدلا من أن تجعله يقودها هو باندفاع مميت قد يقضي على الأخضر واليابس.
قرأت قديما عن قصة «الجزرة، والبيضة، وحبة البن»، التي تعد حكاية رمزية للتعامل مع مشاكل الحياة؛ فالجزرة قوية وصلبة، لا تلبث أن تتراخى وتضعف إذا ما تعرضت للماء المغلي، أما البيضة؛ فقشرتها الخارجية الصلبة تحمي سائلها الداخلي، ولكن إذا وضعت في ماء مغلي فإن السائل الرخو يتحول للحالة الصلبة المتماسكة، أما حبة البن إذا وضعت في الماء المغلي فإنها لا تتصلب أو تتراخى، ولكنها تؤثر هي فيه لتجعله يتأثر هو بها، لا العكس.
فالجزرة الصلبة؛ حين تعرضت للألم والصعوبات استسلمت وتراخت وفقدت قوتها، أما البيضة ذات القلب الرخو فقد اكتسبت نوعا من القسوة لمواجهة المشاكل، فقشرتها الخارجية قد تبدو كما هي دون تغيير ولكن الداخل قد تغير فبات مفعما بالمرارة لمواجهة التغيرات الخارجية، ولكن حبة البن، فإنها تغلبت على الألم «الماء الساخن»، ولم تكتف بذلك، بل أثرت هي فيه وغيرت من خواصه وأكسبته مذاقا جديدا جعل طعمه مختلف.
النجاح هنا بإمكانية اكتساب صفات «حبة البن»، لجعل الأشياء من حولنا أفضل إذا ما وصلت الأحوال لدرجة عالية من السوء، حتى نتمكن من الإجابة على السؤال الصعب «إلى أين نذهب؟»، ولا نحيل الإجابة إلى المشاكل «الحصان» ونستسلم لها ونجعلها تقودنا، بدلا من أن نتسلم نحن الدفة ونوجهها كيفما نشاء، فالطموح المستعصي على البلوغ ليس نهاية المطاف، ولكنه بداية طموح جديد بفكر جديد وتطويع للمتغيرات والعوائق.