بيسان محمود الكردوسى تكتب: «وليد اللحظة.. مات محموداً»

كتب: بيسان محمود الكردوسى

بيسان محمود الكردوسى تكتب: «وليد اللحظة.. مات محموداً»

بيسان محمود الكردوسى تكتب: «وليد اللحظة.. مات محموداً»

صعدت روح أبى، رحمة الله عليه، إلى السماوات لكى تغمرنى وتغمر العالم بأكمله بحبه لرسالته، فأصبحت هى رسالتى..

عاش حياته ببساطة.. كان يحب الحياة، ويخاف عذاب حلاوتها، كان دائماً يعيش اللحظة ويسعى وراء تحقيق ذاته دون النظر إلى المستقبل البعيد حتى يتفادى القلق منه ويعمل على توصيل رسالته التى آمن بها طوال عمره بالرغم من انعدام وضوحها فى بدء مسيرته. ليس بالضرورة أن يفهم الناس ما رسالته، ولكن بالنسبة لى الأمر مختلف تماماً..

كنا دائماً «أصحاب» أكثر مما كنا عليه من قرابة أب وابنته بشكل تقليدى، كنت أناديه باسمه بناءً على طلبه، ولكن لم يكن لديه فى الحسبان أن يكون ذلك سبباً فى نجاحنا بأن ننعم بعلاقة خالية من القيود الفكرية التى قد تؤثر على الشفافية بيننا. كان يحب أن يشاركنى بكل ميوله الفكرية ومعتقداته الفلسفية التى تتكون من مزيج معقّد من فلسفة الأديان، خاصةً قصة بداية الخليقة -آدم وحواء- والتاريخ الذى يُفصح عن أنماط الأحداث التاريخية على مر العصور وتأثيرها فى تكوين مختلف المجتمعات، وأخيراً وليس آخراً اهتمامه بالسياسة نظراً لما اطّلع عليه من قراءات مختلفة، ولكونه من مواليد الستينات، ما أدى إلى حضوره الذاتى فى أعظم وأكثر الأحداث أهمية تاريخياً بالنسبة للوطن المصرى، والوطن العربى ككل. وحتى لو كانت أفكاره غريبة الأطوار أو خارجة عن المألوف، لم يخجل يوماً من مشاركته إياها معى ومع أقرب الناس إلى قلبه.

لقد عشت معه معظم تجارب حياته فى مسيرته المهنية، وقد عشقت كل مرحلة من مراحل تطوره الذهنى وكذلك المهنى، أحببت قدرته على تجربة نشاطات مختلفة فى مجال الصحافة والإعلام، من الكتابة إلى الإخراج الفنى لوهلة من الزمن، حتى يصل إلى أن يكون مدير تحرير فى أكثر من جريدة، ثم رئيس جريدة «الوطن» بالنهاية. إلى جانب إصدار أهم الروايات فى هذا العصر «ذائقة الموت»، وكتب أخرى تحيك وصفات خاصة من فلسفة «الكردوسى» ومسار حياته، ناهيك عن مجلّة «الفن السابع»، التى أسسها الممثل الكبير محمود حميدة عام 1997 بالمشاركة مع والدى كمسئول عن المحتوى، حيث كان يرأس إدارة وتحرير المجلة، وكان دائماً يحرص على أن يكون كل عدد من هذه المجلة غنياً بالمعلومات عن الإبداع الفنّى والتقنيات وأساليب التصوير والإخراج فى مختلف الدول والعصور. ثم الوصول إلى أكثر المناصب لياقةً به وبشخصيته البسيطة فى مجلس الشيوخ، بالرغم من رفض والدى تماماً فى البداية لهذا المنصب، حيث إنه دائماً كان يرى ذاته فناناً غير مخلوق للمسئوليات الكبرى، فقط هدفه توصيل رسالته بفنّه وشغفه. ولكن للأسف لم تكن الصورة واضحةً بما يكفى لى من قبل فراقنا، فقط الآن أرى رسالته كرؤيةٍ مُنبعثة من السماء، ولا أظن أن يفهمها أحدٌ مثلى. لذلك يجب أن أكمل مشوار أبى، حتى ولو أتممت ذلك بطريقتى الخاصة، لأننى بالفعل أحمل من روحه ما يكفينى لأن أستطيع أن أوصل رسالته بصوتى وكلماتى ورؤيتى، التى لطالما كانت مشتقة من نفس المنبع، إلى من يفتح قلبه وعقله ليسمع، فأصبحت رسالته هى رسالتى يوم سقوطه..

دائماً كانت الكتابة هى المصدر الأساسى لإشباع تعطشه للإبداع الخلّاق والتعبير الفنى المُلهم الذى يتلامس مع أرواح جميع من توضع أيديهم على أى من كتاباته وتتلذذ أعينهم بقراءة كلماته.. وما لا يعرفه الأغلبية أن أبى كان أيضاً فى بحثٍ دائم عن الحقيقة مهما بدا الأمر صعباً.. فأصبحت الكتابة وسيلته للتحرّى والغوص فى أعماق الكثير من أمور الحياة وفلسفتها، من الدين والسياسة، إلى الفن والموسيقى والسينما، حتى يستطيع اكتشاف أعماق ذاته وما وراءها. وما أدراكم ما ولَّد ذلك وخلَّف فىَّ من شغف وولع بجميع تلك الأمور، مثلى مثله بالضبط، بفارق خبرتى فى ممارسة فن الكتابة والتعبير التصويرى فى عملى فى مجال الدعاية والتسويق، وخبرتى فى التأليف الموسيقى والعزف والغناء، وخبرتى البسيطة فى الإخراج. فأنا أيضاً أحب كل أنواع الفنون، وأعتقد اعتقاداً شديداً بأن هناك دائماً علاقة قوية جداً تربط بين جميع أنواع المسائل الحياتية: فى الفن، والفلسفة، والسياسة، فى سيادة الدول، وتنمية الاقتصاد العالمى، والميديا التى أصبحت منمّطة بالفكر السياسى، والسينما التى فُقد الحسّ الفنّى والتربوى منها تماماً، والدين والعلوم، اللذين قررت دول أوروبا فصلهما عن بعضهما البعض، فى غفلة، أو عن عمد التغافل (والله أعلم) عن حقيقة الأمر. وكل ذلك ينعكس فى سلوكيات المجتمعات من حولنا فى مصر والدول الأخرى والمقارنة بينها. فإذا قارنت بين حال السينما حول العالم فى بدايتها وحالها الآن، بناءً على علاقتها بالمجتمع والتاريخ، سوف تجد علاقة مباشرة بين الأعمال السينمائية والأحداث التاريخية بطرق تعبيرية مختلفة، وكأن هناك محادثة مستمرة بين الشعوب والحكومات، وطبعاً مع دخول العالم فى عصر الصناعات الحديثة والتطوير التكنولوجى وزمن العولمة، أصبح هناك الكثير من المحادثات من هذا القبيل بين الدول وبعضها البعض.. أيضاً إذا حاولت استكشاف العلاقة بين الفن والسياسة، ستجد أن اللغة، سواء كانت لفظية أم بصرية، تلعب دوراً كبيراً فى تكوين هذه العلاقة، علاقة تستدعى التأمُّل حقاً.. والجدير بالذكر أن هناك عاملاً مشتركاً بينهما دائماً ما ينتهى بنا الأمر بالبحث عنه: «الحقيقة».

سبحان الله فى خلقه؛ يبعث الله نفحةً فى صدر الإنسان من روحه حتى يُصبح الإبداع الخلّاق قدرة بشرية، وهكذا تكون رحلة «الفنّان» دائماً مليئة بالصراعات ما بين الواقع والـ«idealism» أو كما أسميها «المثالية اللا واقعية».. أكثر الناس إبداعاً هم أكثر من يعانون لكى يتصلوا مع الواقع، فهم فى اتصال طبيعى مع الخالق وما وراء العالم المادّى، ورحلتهم تحثهم على العمل على الاتصال بذاتهم على أرض الواقع وبالبشر من خلال توظيف هبات الله لهم فى سبيل نشر الخير والوعى الروحانى.. لكن للأسف نحن نعيش فى عالم ملىء بالمتعلّقين فقط بالماديّات لدرجة أنستنا أصل الإنسان.. فما هو الإنسان إلا روح تعيش تجربة بشرية.. وعدم اتصالنا بهذه الحقيقة المطلقة هو ما يجعلنا تائهين فى دوامة الحياة حتى نصطدم بضربات الكون على رؤوسنا، ومن أقوى هذه الضربات وأهمها جائحة الكورونا، والكثير من الأحداث التى جلجلت العالم وجعلت البعض يستوقفون أنفسهم ليتساءلوا: «كيف وصلنا لهذه الدرجة من الفساد الإنسانى؟».

وطالما كنت أرى فى والدى نفحة الإبداع والتأنّى فى خلق عمله، وكأنه رسول يحمل الكثير من التساؤلات عن ما يجرى على وجه الأرض فى رحلة بحث عن معانى الحياة والتجلّى فيها، وفى الوقت ذاته لم يكن أبى من النوع الذى يعيش فى الواقع -وأنا أعلم بما كان يمر به، فمن شابه أباه فما ظلم- لكنه كان واقعياً لدرجة تكفيه حتى يستطيع أن يدع روحه تطفو ثم تعود له بخام إبداعاته، مما كان يستحق التأمل والتمعُّن.

دعونى أعطكم نبذة أو أكثر عن أبى من داخل عالم «بيسان»..

لم أستطع أن أفهم الصراعات الداخلية لدى والدى كما رأيتها بوضوح منذ يوم إصابته بالنزيف الدماغى..

ستة أشهر.. قيل لنا من قبَل الأطباء إن أثر النزيف الدماغى على جسده -حسب الإحصائيات- سيُشفى تماماً فى خلال ستةِ أشهر.. وبلا شك أعطانا هذا الأمل الذى أبقانا صامدين طوال هذه المدة. وظلّ هو عالقاً ما بين العالم المادى الذى نعيش فيه والعالم الآخر، كنت أشعر بذلك بقوة شديدة فى تحركاته المُعرقلة، فى كلماته المتقطعة المتذبذبة، وحتى فى استسلامه للموت البطىء.. حتى قدّر الخالق أن يسترد وديعته، ويترك أثره فقط فى قلوب الناس حياً. ستة أشهر بدت لى كست سنوات، وأنا أترنّح ما بين الأمل واليأس، الصبر والغضب، الاستسلام والمثابرة على فعل أى شىء وكل شىء باستطاعتى لكى نتمكّن أنا وسائر العائلة من إنقاذ حياته.

كان أبى يصارع ما هو أكثر من مجرد مرض فى خلال الاثنتى عشرة سنة الماضية بسبب الفيروس الكبدى c، وقد كانت هذه البداية لرحلته مع المرض والألم، وبداية لرحلة تعلّم تتلخّص فيها أهم دروس الحياة..

خاصةً آخر ستة أشهر؛ إذ فجأةً فى ليلة السابع عشر من شهر أغسطس عام ٢٠٢١، ذهب أبى إلى بيته بعد يومٍ طويل ولم يكن يعلم أنه سيصحو ليجد نفسه بلا هوية فى اليوم التالى، وأنه سيصبح صائحاً بأمنية الموت بعدما كان ينعم بمجرد أنه يعيش اللحظة منتظراً الموت بلا هزيمة.. انفطر قلبى حين بلغنى الخبر أن النزيف الدماغى قد حدث بالجانب الأيسر من المخ، وعلمت حينها ما يعنى هذا بالنسبة لأبى، وعشت وجعه وقهرته واكتئابه لمدة ثلاثة أسابيع من قبل حتى أن يفيق من حالة اللا وعى فى الرعاية المركزة ليصبح واعياً تماماً بحاله وقتها.. ولكن الغريب أنه لم يفُت الكثير من الوقت حتى أدركت أنه كان لا بد من سقوط كل الأقنعة تماماً حتى تظهر الحقيقة المطلقة؛ إن الحياة حب، والألم درس إذا تعلّمت منه تستنير، والهوية ما هى إلا قناع مؤقت لا تنقطع حتمية سقوطه، وإن الإنسان هو الذى يصنع صراعه مع ذاته ومع الحياة بيده، والأهم من ذلك كله، أنه طالما تمتلئ الصدور بالهواء، وينبض عرق الإنسانية بالحياة فى الأيادى، وتستنير القلوب ببصيرة الله، لا بد من السعى دائماً وراء الحق، واستغلال أى وسيلة أو هبة من الله فى سعة يديك لإظهار الحقيقة.. فالبعض قد يكون مُقدّر لهم أن يكونوا أصحاب صوت الحق، وهذا أكثر ما قد نحتاجه فى عصرنا هذا.

كانت الكتابة بالنسبة له هى مصدر سعادته، وسلامه مع نفسه، واتصاله مع روحه، وتأمله فى سحر الكون وتكوينه.. كانت هى الطريقة التى يتحدّث بها مع آلامه وأوجاعه المفجعة، والوسيلة الوحيدة للتأقلم مع مرارها. كان يترك قلبه مفتوحاً لما يُنزل عليه من وحى حتى ينقل للناس ما كان ينبغى أن يُرسل من خلاله، لذلك كان دائماً يتأنّى فى اختيار كلماته حتى لو استهلك ذلك الكثير من الوقت. ومهما كان أبى يبدو غير صبور أو شكّاء، ومهما حاول أن يُسكّن آلامه بالهروب إلى تفاصيل الحياة وما فيها من لهو وسهو وزهو، إلا أنه أدرك فى نهاية المطاف أن الألم أشدّ معلّم له عن الحقيقة المطلقة. وكان قد بدأ بالفعل بالتأمُّل فى إدراكه هذا والحكى عنه معى قبل وقوع الحدث بأيام.

كما يعرف الكثيرون، يكمن سر خلطة «الكردوسى» فى تطريز كلماته ونسج عباراته بأرقى الأساليب اللغوية وأكثرها تعقيداً، كان دائماً يعود إلى القرآن الكريم ليكون مرجعاً له فى أصل اللغة والنحو، ويحلّق بروحه إلى الفضاء الخارجى إن تطلّب الأمر ليحظى بأدقّ الأساليب التعبيرية وأكثرها قيمةً لغوية. ولكن للأسف حتّم عليه قدره أن يعيش آخر ستة أشهر من عمره مجرّداً من سلاحه الوحيد الذى كان يجاهد به فى صراعه مع نفسه، ويتّصل به مع الآخرين بأسلوبه الخاص كلما أُتيحت له الفرصة. كان قد لزم الأمر أن يواجه عذابه بطريقة مختلفة هذه المرة. ولا بد من أنه كان يتساءل عن ماهية الرسالة فى ذلك الوضع الهزيل حتى يتمكّن من التأقلم معه، ولم يقدر هذه المرة على التعبير كما تعوّدنا عليه. فعلاً كل شىء يحدث لسبب ما، حتى وإن كان خارج استيعاب عقولنا البشرية.

وهكذا أرى أنه كلما تعلّمت عن والدى شيئاً جديداً، كلما تعلّمت شيئاً عن نفسى -وطبعاً العكس صحيح أيضاً- وأدركت حقيقة الأمور من باطنها إلى ظاهرها.

طوال عمرى وأنا أتساءل لماذا قد يسمينى أبى بهذا الاسم الغريب الذى يتعثّر فى نطقه -تقريباً- كل من أقابلهم لأول مرة من المصريين، هم لا يعرفون أصل هذه الكلمة، وما تحمله من معانٍ، هذا الاسم ينتمى إلى مدينة من أكثر المدن أهمية وأقدمها، ومن الأراضى المسلوبة فى فلسطين منذ وقوع النكبة عام ١٩٤٨. وهى السنة التى طُرد فيها الشعب الفلسطينى من بيته وأرضه وخسر وطنه، لصالح إقامة الدولة اليهودية الصهيونية: إسرائيل، وسُميّت مدينة بيسان بـ«بيت شيعان» منذ ذلك الحين.

قرر والدى العزيز -الله يمسيه بالخير ويرحمه- أن يسمّى أول ابنة له «بيسان» من قبل حتى أن يلتقى بوالدتى، التى هى بالمناسبة فلسطينية.

أتظنون أنها صدفة؟


مواضيع متعلقة