اليوم العالمى للسعادة الجديدة
يوم 20 مارس من كل عام هو اليوم الأكثر عرضة للسخرية والتنمر والتفكه من قبل البعض. لكنه أيضاً اليوم الذى يتفق فيه سكان الأرض وعلى الأرجح الحيوانات وغيرها من الكائنات التى ميزها الخالق بالمشاعر. يوم 20 مارس هو اليوم العالمى للسعادة. وأعتقد أن جميعنا استنفد تماماً صعبانيات «هو أنا شوفت يوم واحد حلو فى حياتى؟!» وبكائيات «ومنين تيجى السعادة فى هذه الحياة الأليمة الصعبة الكئيبة المريعة الوعرة» إلى آخر مرادفات الصعوبة والكآبة.
اليوم وبعد مرور عامين من عمر وباء أطاح بكل ما كان عادياً واعتيادياً وأمراً مفروغاً منه. الوباء الذى أخبرنا أن ما اعتبرناه روتيناً واقعاً لا محالة أصبح فى علم الغيب. المدرسة، العمل، ركوب المواصلات، طلب العلاج، الذهاب إلى السينما، التردد على المقهى، جميعها أصبح فى مهب الفيروس. لذلك، ارتبطت السعادة طيلة العامين بعلاقة طردية وعودة الحياة إلى طبيعتها، على الأقل بالنسبة لمن التزموا بقواعد الإغلاق والإجراءات الاحترازية.
ثم جاءت حرب روسيا فى أوكرانيا لتضيف مكوناً آخر لمكونات السعادة. فرغيف الخبز -مثار الشد والجذب المزمنين بين المواطن والحكومة- أصبح هو الآخر مصدراً للسعادة. فبعد ما كنا على مدار عقود نندد بشكل الرغيف ومحتواه ووزنه وبالطبع سعره، وبعد سنوات من محاولات ضبطه وربطه ووقف الإهدار ودعم من يستحق والسيطرة على جموح وجنوح التجار ها نحن نشعر بالسعادة ونحن نرى استمرار توافر رغيف العيش فى الأفران. صحيح أن القلق يعترينا حول مصير رغيفنا الحبيب فى حال استمرت حرب روسيا فى أوكرانيا، وهما الدولتان اللتان نحصل منهما على 80% من احتياجاتنا من القمح (50% من روسيا و30% من أوكرانيا)، إلا أن سعادتنا بالرغيف هذه الأيام لا توصف.
غاية القول أن اليوم العالمى للسعادة هذا العام يخبرنا أن دواعى السعادة آخذة فى التغير. البعض يقول إن سقف السعادة آخذ فى الانخفاض، والبعض الآخر ما زال فى «لالا لاند» (أرض الخيال والأحلام)، حيث انتظار تحقق السعادة المتمثلة فى أموال وفيرة وبيت وثير وسيارة فارهة إلى آخر القائمة القديمة المعروفة.
الكلام الكبير فى هذا اليوم هو أن الجمعية العامة للأمم المتحدة خصصت يوم 20 مارس يوماً دولياً للسعادة فى قرار أكد أهمية أن تتضمن أهداف السياسة العامة فى الدول قيم السعادة والرفاه والحاجة لاتباع نهج أكثر شمولاً وإنصافاً وتوازناً فيما يتعلق بالنمو الاقتصادى لتعزيز التنمية المستدامة وسعادة الناس ورفاههم والقضاء على الفقر.
الشعور العام فى يوم السعادة العالمى فى عام 2022 يطغى عليه أن اليوم الذى نستيقظ فيه صباحاً ونتأكد أن صحتنا ومن نحب جيدة إلى حد ما ورغيف العيش متوافر إلى حد ما هو يوم سعيد بكل تأكيد لحين انتهائه انتظاراً لليوم التالى وهلم جرا.
صحيح أن معدلات الفقر لن تتغير كثيراً، وتنميتنا المستدامة لن تتبلور، ورفاهنا لن يتحقق، وفقرنا لم يتم القضاء عليه بهذا الأسلوب المعتمد على قصر النظر الشديد والاكتفاء بالسعادة اليوم و«يحلها ربنا غداً». لكن المقصود هو أن ما يحدث حولنا كفيل بأن يغير مفهوم السعادة لدينا ويعيد هيكلة مكوناتها.
شعار اليوم هذا العام هو «إعادة البناء بشكل أكثر سعادة» وذلك فى ضوء تعافى العالم بعد كوفيد-19. ونحن فى هذا اليوم مدعوون لإعادة النظر فى مفهوم السعادة، لا بخفض السقف لكن برفعه بناء على واقع جديد ورؤى مغايرة وأولويات مختلفة.