في ذكرى رحيل زينات صدقي.. سر تكريمها قبل حرب أكتوبر بـ10 أشهر

كتب: سيد المليجي

في ذكرى رحيل زينات صدقي.. سر تكريمها قبل حرب أكتوبر بـ10 أشهر

في ذكرى رحيل زينات صدقي.. سر تكريمها قبل حرب أكتوبر بـ10 أشهر

زينات صدقي.. حدوتة مصرية مليئة بالأسرار والألغاز التي يختلط فيها الفن بالسياسة، بطلتها «بنت من بحري»، كانت تتمتع بجمال فائق، لم يصمد أمامه ابن العمدة الضابط الشهير.. فيتزوجها في السر، لكن على الشاشة كان الجمهور يراها «الآنسة حنفي»، ارتبطت في أذهان محبيها بدور العانس، رغم أنها في الحقيقة تزوجت قبل أن تتم عامها الرابع عشر، والغريب أن أيامها الأخيرة ارتبطت بشائعات العزلة والإفلاس.

عبدالناصر كرمها في عيد العلم.. والسادات منحها معاشا استثنائيا في عيد الفن

لكن الحقيقة أنها لم تنقطع عن العمل سوى في آخر 3 سنوات من عمرها، والأهم أن زينات صدقي، كانت تحظى باهتمام ورعاية الزعيم جمال عبدالناصر، ومن بعده الرئيس السادات، الذي منحها معاشا استثنائيا قبل حرب أكتوبر بـ10 أشهر.. وسلمها درع تكريم بعد أن تحقق النصر العظيم.

زينات صدقي تلتقي نائب رئيس مجلس الوزراء في ماسبيرو

في صباح 9 يناير 1973، كان الدكتور عبدالقادر حاتم، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الثقافة والإعلام، يجلس داخل إحدى قاعات مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وحوله مجموعة من كبار الفنانين، وجرى تصوير اللقاء، وبث مقتطفات منه، في سهرة خاصة عرضتها القناة الأولى في مساء اليوم ذاته، معلنة أن وزير الإعلام سلم دروع تكريم ومعاشا استثنائيا لعدد من كبار السن من الفنانين، مؤكدا أن هذا الأمر سيتحول لمناسبة سنوية.

كانت زينات صدقي تجلس في مواجهة الوزير، وبجوارها مذيعة سألتها.. كيف استقبلت هذا التكريم؟ كان الرد: «التكريم ده حلم اليقظة.. كان نفسي قرايبي اللى كانوا بيلومونى علشان اشتغلت فى الفن، يشوفوني.. ويعترفوا بي، ويقولوا من قلبهم، زينات قريبتنا»، ثم سألت الكوميديانة الشهيرة المذيعة، هو الكلام ده هيذاع على التليفزيون؟ فأبلغتها أنه سيذاع، وكان رد زينات «قرايبي كلهم عندهم تليفزيونات».

زينات صدقي بدت وكأنها تريد أن تقول كلاما كثيرا، لكنها اكتفت بجملة واحدة «اللهم انصر الفنانين»، وارتسمت على ملامحها ابتسامة المنتصر، ليس بسبب شهادة التقدير والقرار الحكومي بحصولها على معاش استثنائي قيمته 100 جنيه، بل كانت سعيدة بما قاله الوزير «أعرف كم قاسيتم طوال عملي معكم.. منذ انطلاق الثورة عام 1952، وأعرف كم دفعتم وبذلتم لأجل الدولة.. والثورة، لذا أقدم لكم جزءًا يسيرًا ماديًا ومعنويًا، لقد تفضل الرئيس السادات.. واستن هذه السنة، أن كل فنان بعد أن أعطى الكثير، سيكون له معاش استثنائي يرد جزءا مما قدمه للدولة».

السيرة الذاتية لـ زينات صدقي

كلمات وزير الإعلام كانت كافية لتستدعي زينات صدقي شريط ذكرياتها، قالت لمن كانت تجلس بجوارها، أنا مولودة 4 مايو 1912، يعني عمرى 61 سنة، ومستعدة اشتغل 24 ساعة في الـ24 ساعة، إن شاء لله أشتغل عفريتة.

دخلت شقة زينات صدقي في مايو 2002، عقار قديم مكون من خمسة طوابق في شارع جلال المتفرع من شارع رمسيس، في أول طوابق العقار كان يسكن إسماعيل يس، وفي الثاني «بنسيون» استقبل «فريد الأطرش وعبد السلام النابلسي» في بداية رحلتهما مع الفن، وفي الطابق الرابع كانت تقيم الفنانة «نجمة ابراهيم»، بينما شقة زينات في الطابق الثالث، وكان يقيم فيها في ذلك الوقت ابنة شقيقتها «عزة محمد مصطفى».

زينات صدقي تغني في ملاهي لبنان

«أنا زينات المصرية، أرتيست لكن فنية، أغني وأتسلطن يا عنيه، تعالي شوف المصرية».. كانت هذه هي كلمات المنولوج الذي تتغنى به زينات صدقي في بداية فقرتها بأحد كازينوهات لبنان، بنت حي الجمرك بالإسكندرية، وإحدى بنات عائلة الفولي الشهيرة، أسرتها كانت مكونة من 4 بنات، «زينات، فاطمة، سنية، ودولت»، الأم ربة منزل، والأب تاجر، توفي في عامها الثامن، ومنعتها أسرة الأب من استكمال تعليمها الابتدائي، لأنها كانت فائقة الجمال والأنوثة، وكانت معروفة وقتها بلقب «صاحبة العيون الملونة»، فزوجوها طبيبا من أقاربها، ولم تكن أتمت عامها الرابع عشر، ولم يستمر الزواج طويلا.

انفصال زينات صدقي عن زوجها.. دفعها لتعلم الرقص في جمعية أنصار التمثيل والسينما التي أنشأها زكى طليمات، وكانت الجمعية تصرف للمتدربات مكافأة مالية، لكن عائلة والدها رفضت أن تصبح ابنتهم راقصة، وهددوها في حال استمرت فى هذا الاتجاه، لذا قررت الرحيل من الإسكندرية، واصطحبت والدتها وانتقلت إلى لبنان، وعملت هناك مطربة فى الكازينوهات والملاهي الليلية، وفي إحدى المرات وبعد أن غنت منولوج «زينات المصرية»، تعرفت على بديعة مصابني، وعرضت عليها العمل كراقصة فى فرقتها بالقاهرة.

لكن زينات ظلت فترة لا تتقبل كونها راقصة، فطلبت من بديعة أن تدخل مجال التمثيل، وكانت بديعة وقتها متزوجة من نجيب الريحاني، وبالفعل تحدثت معه لإلحاق زينات بفرقته المسرحية، لكنه لم يهتم بالأمر في البداية، ولم تيأس، فكانت تترد على مسرحه، وتتابع البروفات، وتحفظ الأدوار، إلى أن تصادف في يوم غياب «عزيزة زكي» عن حضور البروفات، وأعلنت اعتزالها عقب زواجها من الملحن سيد مصطفى، فطلب الريحاني من زينات أن تعد نفسها لأداء دورها، وفى أول يوم عرض.. انتظرها الريحاني خلف الكواليس، وقال لها «يا زينات أنت هتكوني ممثلة كويسة».

زينات صدقي تتزوج ابن العمدة

عملت زينات في فرقة الريحاني لفترة طويلة، وفتحت لها السينما ذراعيها.. وفى الوقت ذاته، بدأت تنتبه لمن يسعى لطرق باب قلبها، أحد أصدقاء الريحاني.. من المداومين على الحضور للمسرح، وكان ضابطا معروفا، ووالده عمدة إحدى قرى محافظة المنوفية، هذا الضابط كان وقتها متزوجا ولديه 3 أبناء، وطلب منها الزواج، على أن يبقى الأمر سرا، وعرف الحب طريقه لقلب فاتنة الجمرك، وتم الزواج فى شقتها بشارع جلال باشا، وهي الشقة التى اختارها لها نجيب الريحاني، لتقيم فيها منذ أن عملت معه.

لكن هذا الزواج لم يستمر طويلا، بعد أن طلب منها الزوج التفرغ له، وأن تنتقل والدتها للإقامة مع إحدى شقيقاتها، حتى يصبح على حريته بالمنزل، وكان رد زينات حاسما «لا أنت كده جيت قدام الديزل ووقفت»، وطلبت الطلاق، وتم الانفصال رغم تراجع الزوج عن موقفه بعد ذلك، لكنها رفضت العودة له، رغم أنه كان الحب الأول والوحيد في حياتها، وظلت تبكي لفراقه كثيرا، لكنها كانت مصرة على موقفها.

كانت شقة زينات هي نقطة تجمع الكثير من زملائها، عبدالسلام النابلسي وإسماعيل ياسين والريحاني وميمي وزوزو شكيب وحسن فايق ونجاح سلام، والصديقة الأقرب لقلبها تحية كاريويكا، لكنها في المقابل لم تكن ترغب فى زيارة أحد في منزله، وهو ما تفسره الحاجة «نادرة» ابنة شقيقتها التي أقامت معها منذ كان عمرها عامين، قائلة «نفسها كانت عزيزة ولا تحب أن تذهب إلى أحد أو تطلب شيء من أحد.. وحتى بعد أن انصرف عنها المنتجون، وسألتها.. لماذا لا تكلم أحد منهم، فأجابت، «التليفزيون عارف رقمي، وكل من زارونا من قبل يعرفون المكان جيدا، وليسوا بحاجة لمن يذكرهم به، لو عايزين كانوا اتصلوا».

أول تكريم لـ زينات صدقي من عبدالناصر

قدمت زينات صدقي نحو 174 فيلما سينمائيا، وعددا لا حصر له من المسرحيات، وكانت الفترة بين الأربعينيات والخمسينيات، الأكبر في عطائها الفني، فقد كانت تقدم ما يزيد على 5 أفلام في العام الواحد، لكن مع بداية الستينيات، تراجعت مشاركاتها بما لا يزيد عن فيلمين، وتكرر ظهورها في دور خادمة، وتردد وقتها أن المنتجين يتعمدون عدم الاستعانة بها، ووصلت تلك الكلمات للرئيس جمال عبدالناصر، الذي كان يعتبر الفنانين ثروة لا تعوض، كما أنه كان يعرف الكوميديانة الشهيرة جيدا، باعتباره أول من تحمس لدعم سلسلة الأفلام التي تحمل اسم إسماعيل ياسين، وشاركته الظهور في غالبيتها زينات صدقي.

لذا جرى تكريمها في عيد العلم 21 ديسمبر عام 1966، وعلمت من وزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة، أن الرئيس عبدالناصر هو من طلب تكريمها، لما قدمته من خدمات للدولة والثورة، وحصلت على ألف جنيه كمنحة تقدير، وكانت تقارب أجر 10 أفلام بالنسبة لها، وعقب هذا التكريم بأسابيع، عادت زينات صدقي للسينما بفيلم «رجل وامرأتان» مع يحيى شاهين وهند رستم، وبعدها عادت للأضواء في يناير 1967 بفيلم «معبودة الجماهير» أمام عبدالحليم حافظ وشادية، وقدمت في 16 ديسمبر 1968 فيلم «السيرك» مع هدي سلطان وحسن يوسف، وفيلم «أشجع رجل في العالم» 1968 مع فؤاد المهندس وشويكار.

علاقة زينات صدقي بتحية كاريوكا والسادات

تراجع ظهور زينات صدقي مرة أخرى في السينما، لكنها عادت بفضل تحية كاريوكا التي طلبت أن تشاركها الظهور في فيلم «السراب» 1970 أمام ماجدة، في أول بطولة مطلقة لـ نور الشريف، واختفى الثنائي زينات وتحية قليلا بعدها، والأخيرة كانت مقربة من الرئيس السادات، وطلبت منه بعد ذلك أن تحصل زينات صدقي على معاش استثنائي يؤمن حياتها، ليس بسبب ديونها، بل لأنها كانت وقتها تتحمل مسؤولية أبناء شقيقاتها، وهو ما تحقق، وجرى تكريمها للمرة الثالثة عام 1976 من الرئيس السادات، لتفارق بعدها الحياة في 2 مارس عام 1978.


مواضيع متعلقة