رسائل إلى محمود الكردوسى: كيف أنعاك وأنت على قيد الحياة؟
(1)
الموت يهزم الضعفاء وأنت لم تكن يوماً ضعيفاً، كنت محارباً، معانداً، تدخل أزمة وراء أخرى وتخرج منها سليماً معافى، تضحك وتسخر وتطلق الإفيهات حتى وأنت على سرير المرض.. أتذكر ذات مرة أننى اتصلت بك قبل زيارتك فى مستشفى وادى النيل وقلت بكلمات مؤثرة: «أنا جاية يا أستاذ محمود محتاج حاجة؟»، فقلت: «هاتى معاكى كحك بسكر»، وضحكنا فى هذا اليوم مثلما لم نضحك من قبل، حتى إننا أزعجنا المرضى فى الغرف المجاورة.. هكذا كنت فى أشد أزماتك، تعطينا دروساً فى الرضا والصبر، فلماذا استسلمت هذه المرة: «هانت عليك عِشرة 18 سنة؟».
(2)
الحياة مهلكة عانيت فيها كثيراً.. من «غريب» يتخبط يميناً ويساراً فى شوارع القاهرة، إلى «وحيد» قضى آخر أيامه على سرير فى غرفة عناية مركزة، لماذا فقدت شغفك بالحياة؟، أدركت ذلك حين رأيتك آخر مرة، كنت فى غيبوبة بين الموت والحياة، أمسكت بيدك وقلت لك: «عارفنى يا أستاذ محمود؟»، فضغطت على يدى لتصلنى رسالتك: «ألم أكن قاب قوسين أو أدنى من الموت قبل ذلك وعدت».
(3)
الصحافة أتعبتنا جميعاً، عملت معك سنوات طويلة فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الوطن»، كنت أراك تكتب كمن يخوض حرباً شرسة يخرج منها دائماً منتصراً، سلاحك قلم، وكلماتك كرباج، تدافع عن الوطن مخلصاً دون أن تخاف من النقد حتى لو وصل إلى السب والقذف، كنت دائماً ما أقرأ لك الكلمات اللاذعة التى تكتب عنك على موقع تويتر، فترد «خليهم يشتموا مفيش حاجة توقفنى عن الكتابة»، فلماذا توقفت؟
(4)
لا أحد قدَّرنا مثلك، كنت منشغلاً ومهتماً طوال الوقت بمنحى وشيماء ما نستحقه، والحقيقة أنك منحتنا أكثر مما نستحق، آمنت بموهبتنا ففرضتها على الجميع، حاربت من أجلنا، ربيتنا مهنياً وزوجتنا لصعيديين مثلك، ورسمت لكل منا حياة هى جزء من حياتك الكبيرة، كنا ثلاثة، صرنا ثلاث عائلات نلتقى ونتحاكى وتأخذنا كلماتك وحكاياتك إلى منتصف الليل دون أن نشعر، نستزيدك فتختم الليلة بمعايرة شيماء: «لسه مابتعرفش تطبخ.. علميها يا هبة».
(5)
ليس هناك أصعب علىَّ من أن أكتب كلمات لن تقرأها، فلطالما دفعتنى لكتابة المقالات لكننى لم أتوقع أن أكتب رثاءك، كنت أكتب لتقرأ وتصوّب، فلمن أكتب اليوم وأنت غبت عن دنياى التى شكّلتها معى، هل تتذكر كلماتك لى عندما أهديتنى روايتك: «إلى هبة الموهوبة، الهادئة، المنتمية إلى سلالتى، سلالة الكتاب الكبار الذين يعرفون قيمة الكتابة ويحتمون بموهبتهم، أنتظر اليوم الذى تتجاوز فيه التلميذة أستاذها».. الآن التلميذة تكتب عن أستاذها: «كيف أنعاك وأنت على قيد الحياة؟».