داعش.. قدرات ودلالات العودة مجدداً (2)
قدرات تنظيم «داعش» فى هذا الفصل الراهن من مسيرته، لوحظ مع بداية هذا العام أنه استعاد قدراً من زخم ترتيب الصفوف، واختيار الأهداف بعناية مع جاهزية نسبية من عناصره الطليقة للتحرك بمرونة ما بين سوريا والعراق، تلك الجاهزية تمثلت فى القدرة اللوجيستية التى تضررت بشدة فيما بعد معركة الباغوز 2019، اليوم تستعيد بعضاً من إمكانياتها بحيث يمكنها نقل وتجهيز عشرات المقاتلين التابعين للتنظيم إلى نقاط الاستهداف، فضلاً عن تزويدهم بالسلاح والذخائر والمفخخات حيث تضعهم تلك الإمكانات الجديدة أمام تنفيذ خاطف كما الحال فى الهجوم على النقطة العسكرية فى ديالى بالعراق، أو عبر عملية مركبة وطويلة نسبياً مثلما جرى فى نموذج الهجوم على سجن «غويران» بالحسكة السورية.
دلالات ما جرى ربما لن تقف عند حدود مدينة الحسكة وحدها فقد كان هناك العديد من إرهاصات الوصول لهذا المشهد الفارق. فخلال ما يتجاوز الستة شهور مضت ظل منحنى التصاعد فى وتيرة العمليات النوعية، بداخل سوريا وفى العراق أيضاً لافتاً ويشى بأن التنظيم لديه الإرادة كى يعود مجدداً، وهذه تمثل أولى الدلالات التى لا يمكن عبورها، فلم تكن تلك الإرادة حاضرة بهذا الإصرار للحد الذى جعل التنظيم يكشف عن قدرة متميزة على التكيف، رغم ما يعانيه من انهيار كامل لقوامه القيادى على وجه الخصوص، وينسحب بالطبع على بقية تشكيلاته القتالية التى تقبع القوة الضاربة منها داخل سجون الشمال السورى. هذا التكيف بدأ صياغته القائد الجديد للتنظيم، الذى يبدو تخلى عن البروباجندا الإعلامية التى اشتهر بها التنظيم لصالح تأكيد أن هزيمة ومصرع سلفه البغدادى، ليست كلمة النهاية، والتأكيد على أنها جولة لها ما بعدها من أفكار مبتكرة وقدرة على تقديم الانتحاريين، كى يتغلب التنظيم على فارق الإمكانيات، بينه وبين جهاز مكافحة الإرهاب فى العراق وقوات سوريا الديمقراطية فى سوريا.
ثانى الدلالات البارزة التى لها ارتباط بالنشاط الإعلامى للتنظيم، كونه ابتعد عن أدائه القديم الذى استخدم فيه آلته الإعلامية فى تضخيم قدراته والاحتفاء بعملياته القتالية، وذهب إلى نمط أكثر ذكاء وفاعلية عندما وجّه جهده الرئيسى إلى ضرب مصداقية قوات التحالف، بل واخترق حلفاءها فى كل من سوريا والعراق ليضخ معلومات على نطاق واسع تروج للترهل الذى أصابها، وتقتنص حقائق الخلافات ما بين مكونات تلك الجبهة المضادة له طوال الوقت. وما جعل هذا الأمر يكتسب فاعلية مجدداً تمثلت فى تحفيز حركة التجنيد وتأجيج مشاعر أتباع التنظيم، أنها كانت تستند على وقائع يلمسونها على الأرض ولها عديد من الإشارات الدالة على صحتها. فيكفى حالة الترهل التى بالفعل أصابت حالة مكافحة الإرهاب بشكل عام فى تلك المناطق، رغم عشرات التقارير الاستخباراتية والتحليلات الرصينة المنشورة التى ظلت تؤكد أن «داعش» ما زال على قيد الحياة، بل وانحاز الكثيرون إلى إمكانية وخطورة عودته فى ظل معطيات الارتباك التى خيمت على كلتا الساحتين للمجابهة وبينهما المنطقة الحدودية.
دلالات الارتباك وفقدان الإرادة الصلبة لمجابهة خطر التنظيم، بالعشرات وأكثر من أن تحصى، لكن يظل الأخطر فيها هى قدرة التنظيم على قراءتها بدقة، واستخدام الفجوات الناتجة عنها فى تسديد ضرباته المؤثرة. فليس هناك أبلغ من قدرته على حشد (200 مقاتل) مزودين بالسلاح والذخائر والسيارات المفخخة، تحت أنظار القوات الأمريكية والروسية التى تنتشر فى عدة مناطق من محافظة الحسكة، وعبر مناطق تسيطر عليها قوات موالية لتركيا وتدار من قبل عسكريين أتراك موجودين على الأرض، حتى الوصول إلى أسوار سجن «غويران» فى قلب المنطقة الأكثر تحصيناً وحراسة من قبل قوات سوريا الديمقراطية.
حالة التعتيم وتضارب البيانات التى تحمل معلومات موثقة عن طبيعة ما جرى، تفتح نافذة هى الأخرى عن قدرة اختراق استثنائية نجح فيها التنظيم بالنظر إلى حجم التنسيق الذى جرى بين المقاتلين المهاجمين وبين السجناء الذين نجحوا فى الفرار، واشتركوا مع قرنائهم فى إدارة معركة نيران استغرقت أياماً فى الأحياء المحيطة بالسجن. وهذا مما لم تتمكن حالة التعتيم من إخفائه، ليتكشف بالتبعية أن هناك توزيعاً منسقاً لأدوار جرى تقاسمها بين مكونين من المقاتلين، وهذا تفسيره الوحيد أن حجم الفساد الذى لعب لصالح التنظيم لم يكن بالقليل، إما أن يكون هناك تجنيد عقائدى ساهم فى إنجاح الأمر على النحو الذى جعل المعركة تستغرق كل تلك الفترة، وتسير على الصورة التى استدعت بعد أيام تدخل القوات الأمريكية بالقصف المباشر لمحيط السجن، حيث لا يمكن فهم طبيعة هذا النمط من المجابهة، إلا أن يكون إنقاذاً لانهيار وشيك أو لترميم نتائج مروعة كانت على وشك الحدوث.
عادة فى مثل تلك الوقائع التى يلفها غموض كثيف مثلما جرى فى الحسكة، والتى يبدو لن يتم الإفصاح قريباً عن السيناريو الحقيقى لما جرى، تصير أهم الدلالات البحث عن المستفيد من خروج المشهد بهذه الصورة، وقبلاً السماح به وتمريره من أجل أجندة مصالح خاصة ما زالت غامضة هى الأخرى. ففى الشمال السورى الذى يعج بالمتنافسين، قد يبدو من الصعوبة بمكان الوقوف على حقيقة معادلة العداء التى يمكن أن تعطى إشارة واضحة ومتكاملة، فإن كان الجانب التركى الذى سمح بمرور مقاتلى داعش من المناطق التى يسيطر عليها، كى يصل ويسدد ضربة انتقامية للقوات الكردية التى تسببت فى هزيمته وتحتجز قوته الضاربة فى سجونها، أمر متوقع ويمكن الاستناد على وجاهته. يطل الوجود الروسى الذى لا تغيب عنه مثل تلك التحركات بعد أن تمكن من نشر قوات له بالقرب من مسرح عمليات الشمال، ويفترض وجود تمثيل لقوات النظام السورى شريكة له، فأى مصلحة يمكن لهذين الطرفين تحقيقها بدفع هؤلاء أو غض الطرف عنهم على الأقل كى يصلوا لهذا الموقع المتقدم، وبتلك الكفاءة التى ستسجل لصالح التنظيم بالتأكيد؟ هذه أسئلة أولية تقودنا لبعض من الدلالات التى قد تضىء حول المشهد، لكنها بالطبع ليست كاملة إلى أن تستجلى بقية التداعيات حتى يمكننا العودة للأمر مرة أخرى، وهذا يقيناً لن يكون بعيداً زمنياً عما جرى.