شرم الشيخ تنتصر

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

كتب القدر لمدينة «شرم الشيخ» المصرية أن تكون علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث. ذكريات الطفولة البعيدة تحوى أسماء مصايف عديدة فى مصرنا الحبيبة. الإسكندرية، الإسماعيلية، مرسى مطروح، جمصة، بلطيم لكن شرم الشيخ لم تكن ضمنها، بل لم أسمع عنها كطفلة، فقط كنت أعرف أن أرض سيناء محتلة من الكيان الإسرائيلى.

وكنت أعرف -كغيرى- أن هذا الجزء العزيز المحتل حوَّله الاحتلال إلى مقر لجنوده، بالإضافة لوجهة سياحية إسرائيلية فى المقام الأول، إذ لم تعمل إسرائيل على تنشيط السياحة الدولية القادمة إليها لهذه المدينة الجميلة التى بنت فيها مستعمرة أطلقت عليها اسم «عوفيرا»، وهى كلمة عبرية تعنى «ذهب».

وكانت شرم الشيخ، كغيرها من مدن جنوب سيناء، نادرة السكان، بعيدة عن حركة البناء والتعمير لعقود طويلة. ونظراً لأن نظام التعليم لم يكن قائماً على طرح الأسئلة والتفكير خارج المنهج، فإننى لا أتذكر أن سؤالاً طُرح ذات يوم عن سبب عدم الاهتمام بسيناء على مدار عقود طولية من تاريخ مصر الحديث. هذه البقعة التى تُعد بوابة مصر الشرقية، حيث حلقة الوصل بين قارتى آسيا وأفريقيا، ومعبر كل من مر على أرض مصر زائراً أو غازياً، تشكل جزءاً محورياً فى بحث ودراسة المتخصصين فى تاريخ مصر فى جامعات العالم. وفى سنوات لاحقة، حين عرفت أن 30 فى المائة من سواحل مصر تقع فى سيناء، شعرت بأسى أن أدوات البحث ومهارات التفكير لم تكن متاحة قبل سنوات طويلة لنسأل عن أسباب ابتعاد سيناء عن اهتمام الأنظمة المتعاقبة فى مصر. صحيح أن العثمانيين اهتموا بها، لكنه كان اهتماماً بغرض تحقيق مصالحهم العسكرية والاقتصادية والسياسية فى احتلال مصر، باستثناء ربما الاهتمام الذى أولوه لمنطقة سانت كاترين، حيث تم تأمينها وتأمين رهبانها.

حتى محمد على -مؤسس الدولة المصرية الحديثة ومؤسساتها الحيوية- اهتم بسيناء لأسباب عسكرية وتأمينية، وإن كان قد أرسل عدداً من البعثات العلمية والبحثية لدراسة سيناء. وكعادة بريطانيا فى التنبه الحاذق للبؤر المهمة والمفاتيح الاستراتيجية، أولى الاحتلال البريطانى سيناء اهتماماً كبيراً عبر بعثات علمية وعمليات مسح عديدة، بالإضافة لمحاولات، فشل أغلبها، لاستمالة بدو سيناء.

وجاءت أحداث الحرب العالمية الأولى لتثبت أن كلمة السر فى منطقة الشرق الأوسط هى سيناء، فكانت معبراً للأطراف المتحاربة. ولفرط أهميتها أخضعها الاحتلال البريطانى لإدارة عسكرية مباشرة بعد الحرب. وسهّل ذلك من مهمة العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956، وحاولت إسرائيل احتلال سيناء بكل شراسة، لكنها لم تنجح. وللأسف نجحت فى عام 1967، وباقى القصة معروف، إذ بقى الاحتلال وتخلله حرباً الاستنزاف (1967-1970) وأكتوبر 1973 اللتان ساعدتا فى إبرام اتفاقات السلام وعودة سيناء إلى مصر فى عام 1982.

وشهدت سيناء فى عهد الرئيس السابق الراحل مبارك نهضة سياحية من نوع خاص. يعتبرها البعض نهضة نخبوية، حيث تم الاهتمام بها لتكون مقراً للرئيس السابق الراحل ومجموعته الحاكمة فى المقام الأول والأخير. ويرى البعض الآخر أنه بث الحياة فيها وجعلها وجهة سياحية تروِّج لمصر كلها وتضعها فى مكانة مختلفة على خارطة السياحة العالمية.

وسواء هذا أو ذاك، ظل اسم شرم الشيخ طيلة ثلاثة عقود مرتبطاً بنظام مبارك ولقاءات السياسة ورجال أعماله. اليوم يسطع اسم شرم الشيخ كوجهة سياحية عالمية للجميع، ونجح منتدى شباب العالم السنوى فى الانتصار لها، وربطها بقيم المستقبل والتعددية والانفتاح الفكرى والابتكارى.