إنقاذ «بحيرة المنزلة».. المستحيل تحقق

كتب: محمد البرغوثى وإمام أحمد

إنقاذ «بحيرة المنزلة».. المستحيل تحقق

إنقاذ «بحيرة المنزلة».. المستحيل تحقق

قبل شهر مايو من عام 2017، لم يكن هناك مواطن واحد من سكان المحافظات الأربع التى تطل على بحيرة المنزلة، يتصور أو يحلم بإنقاذ البحيرة بعد أن طال الخراب والتدهور والتلوث كل شبر فيها. وعندما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى عن مشروع إعادة بحيرات مصر الطبيعية إلى سابق عهدها قبل مائتى عام، كان أكثر الخبراء تفاؤلاً يظن أن الرئيس سوف يصحو قريباً على حقيقة أن تخريب البحيرات -وخصوصاً بحيرة المنزلة- أصبح فوق احتمال كل قدرات الدولة، وأن حفر بحيرة جديدة، ربما كان أهون كثيراً من إزالة غابات البوص والحشائش التى توحّشت فى البحيرة، وإزالة آلاف التعديات بالردم والبناء عبر خمسة عقود متواصلة، تحولت خلالها البحيرة إلى مناطق نفوذ وملكيات خاصة للبلطجية وتجار السلاح والمخدرات.

كان خراباً مروعاً، ودورة المياه الطبيعية فى البحيرة توقفت منذ سنوات طويلة، ومع استقبال البحيرة لملايين الأطنان من مياه الصرف الصحى والزراعى والصناعى يومياً، أصبح التلوث والروائح الكريهة والحشرات الممرضة، هى البيئة الفاسدة المنتجة لعشرات الأمراض التى تفتك بصحة ملايين المواطنين الذين يعيشون حول البحيرة، ويحصل معظمهم على أرزاقهم من صيد وبيع أسماكها الملوثة.

ولكن الذى حدث بعد ذلك، كان ملحمة عمل مذهلة بكل المقاييس، فقد تسلمت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة البحيرة فى منتصف مايو 2017، ثم قامت على الفور بإسناد أعمال التطهير والتكريك وإزالة التعديات لعشرات الشركات المدنية، وما هى إلا أيام وأسابيع حتى كانت مئات المعدات الخفيفة والثقيلة وعشرات الكراكات العملاقة تنتشر على سطح البحيرة، وبالتوازى معها كانت مئات المعدات تصنع حزاماً آمناً يدور مع البحيرة ليمنع أى اعتداء عليها فى المستقبل. وخلال 24 شهراً فقط، استيقظ الجميع على المستحيل وقد أصبح واقعاً، فقد عادت البحيرة إلى سابق عهدها قبل مائتى عام، كما وعد الرئيس، الذى أتاح ملايين فرص العمل لمئات الشركات وعشرات الآلاف من المواطنين، ويتيح دائماً فرص الصيد الحر النظيف لآلاف الصيادين الذين يعملون الآن فى البحيرة، دون خوف من بلطجى أو صاحب نفوذ.

حصاد ملحمة التطوير: تطهير 44 ألف فدان.. وإزالة 5600 مخالفة والقضاء على أوكار البلطجية

عقود طويلة من الإهمال تسببت فى تآكل مساحات كبيرة من البحيرة التى تطل على 4 محافظات، هى: بورسعيد، دمياط، الدقهلية، والشرقية. لم يتوقف الأثر عند تقلص مساحة البحيرة لأكثر من ثلثيها بسبب مخالفات البناء والردم والسطو على مساحات شاسعة من البحيرة، بل تحولت أيضاً إلى ملاذ آمن لأوكار البلطجية والأعمال المنافية لعدد من الخارجين عن القانون، وأمام كل ذلك تراجعت كفاءة البحيرة وإنتاجها السمكى فضلاً عن التسبب فى عدد من الأضرار الصحية والبيئية، حتى كان تاريخ مايو 2017 موعداً فارقاً لبداية استرداد البحيرة ومواجهة كل صور المخالفات.

فى 17 مايو قبل أربع سنوات، صدر التكليف بتطوير بحيرة المنزلة التى تبلغ مساحتها الآن 250 ألف فدان، ومنذ اليوم الأول، بدأ العمل على قدم وساق، بداية من التخطيط العلمى المدروس وصولاً إلى التنفيذ السريع على أرض الواقع وفق جداول زمنية محددة ودقيقة وبمشاركة فريق كبير من المهندسين والفنيين والعمال تجاوز عددهم 1500 عامل.

ورصدت «الوطن» فى جولة داخل بحيرة المنزلة ومحيطها من الخارج، استمرت على مدار يوم كامل، ملامح هذا التطوير الذى حقق طفرة نوعية كبرى فى البحيرة، وأعاد إليها بريقها من جديد.

منذ اللحظة الأولى للوصول إلى بحيرة المنزلة، ظهرت نتائج ملحمة التطوير التى شهدتها على مدار السنوات القليلة الماضية، فلون المياه اختلف تماماً وأصبح أكثر صفاءً، والمسطح المائى أصبح ممتداً لا تقطعه مبانٍ ولا غابات ولا أراضٍ تم ردمها، حتى إنه يمكنك أن ترى محافظة بورسعيد وأنت تقف على الجانب الآخر فى محافظة دمياط، لم يتوقف الأمر عند هذا فحسب، كل ذلك انعكس بدوره عى حركة الصيد داخل البحيرة، فالمكان أصبح آمناً تماماً، والثورة السمكية أصبحت أكثر كفاءة وتنوعاً.

عملية التطوير داخل البحيرة شملت العديد من المحاور، أهمها المخالفات بنسبة 100% والتى وصل عددها إلى 5600 حالة إزالة، فيما تم تطهير مساحة 44 ألف فدان بنسبة 100% برفع الغوص والغابات والعشب الذى كان يمنع حركة السير داخل البحيرة، مع الحفاظ على مساحات قليلة من الأعشاب الخضراء على بعض جنبات البحيرة التى تسهم فى تغذية الأسماك ومساعدتها فى التدفئة والتكاثر. وضمت عملية تطوير البحيرة مرحلتين من التكريك بإجمالى 260 مليون متر مكعب، بهدف إزالة التربة المترفعة وتعميق البحيرة، وضمت المرحلة الأولى 185 مليون متر مكعب تكريك، تم تنفيذ 51% منها ومن المقرر استكمالها تماماً بحلول 30 يونيو 2022، فيما تضم المرحلة الثانية 75 مليون متر مكعب تكريك وجارٍ دراستها للبدء فيها ووضع معدلاتها الزمنية.

وأكد المسئولون عن إدارة مشروع تطوير بحيرة المنزلة أن إزالة المخالفات على مسطح البحيرة سواء المتعلقة بعقارات أو أراضٍ جاء بعد دراسات دقيقة لكل حالة على حدة، والتنسيق مع الأهالى لصرف تعويضات وبدائل مناسب وملائمة بعد إعطاء مهلة للإخلاء، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

زيادة وتنوع الإنتاج السمكي للبحيرة وخفض نسب التلوث واستقرار الحالة الأمنية.. أبرز مكاسب التطوير

زيادة الإنتاج السمكى للبحيرة وتنوع الأسماك ورفع كفاءتها من حيث اللون والرائحة، لم يكن المكسب الوحيد من أعمال التطوير التى جرت ولا تزال تجرى على قدم وساق، فهناك بعد آخر ثانٍ هام متعلق بحماية البيئة والحفاظ عليها، حيث أسهمت أعمال التطوير فى خفض نسب التلوث التى كانت فى أعلى معدلاتها فى الأوقات السابقة، سواء تلوث المياه نتيجة الصرف الصحى وعدم حركة المياه بسبب مخلفات المبانى والردم والزرع، أو تلوث الأسماك نفسها التى كانت تتغذى على النفايات والصرف فى بعض المناطق من البحيرة، كما أسهم التطوير فى إنهاء الروائح الكريهة والقضاء على الحشرات الضارة، وأسهم كل ذلك فى تحسين الهواء وخفض مخاطر الإصابة بالأمراض وتنويع الثروة السمكية.

إضافة إلى البعد البيئى، أسهم تطوير البحيرة فى تعزيز بعد آخر يتعلق بالأمن، حيث بعد إزالة المخالفات وتطهير المسطح المائى، تم القضاء على أوكار البلطجية التى كانت تنتشر داخل البحيرة وتتخفى بين المخلفات والأعشاب الكثيفة، وتم القضاء على عدد من بؤر الأعمال المنافية للآداب لعدد من الخارجين على القانون الذى استغلوا الحالة القديمة للبحيرة، وأسهم كل ذلك فى خفض نسبة الجريمة سواء فى محيط البحيرة أو داخل المحافظات الأربع المطلة على البحيرة أيضاً.

 

كما تشمل عملية التطوير إنشاء ممشى سياحى فى قطاع محافظة بورسعيد، إضافة إلى إنشاء طريق الحزام الآمن بطول 70 كيلومتراً والذى يمر بحدود البحيرة من جهتى الغرب والجنوب، ليشكل مع الطريق الساحلى وطريق 30 يونيو حزاماً حول البحيرة لحماية حرمها المائى ومنع ارتداد المخالفات وتسهيل عملية التنقل والتجارة بين المحافظات الأربع المطلة على البحيرة.

وتعتمد بحيرة المنزلة فى تغذيتها بالمياه على عدد من المصادر، بعضها مصادر للمياه المالحة وتتركز فى ناحية الشمال حيث البحر الأبيض المتوسط، مثل بوغاز الجميل القديم والجديد فى بورسعيد، وبوغاز البرج الجديد وقناة الرطمة وقناة الصفارة فى دمياط، إضافة إلى عدد من مصادر المياه العذبة من مصادر زراعية وصناعية التى تتركز فى ناحية الجنوب، مثل مصرف حادوس بين محافظتى الشرقية والدقهلية، ومصرف رمسيس بالدقهلية، ومصرف السرو بدمياط، فيما يعتبر مصرف بحر البقر أكبر المصارف ويبلغ طوله نحو 190 كيلومتراً ويمر بين القاهرة والقليوبية والشرقية والإسماعيلية، وكان يسبب مشكلة كبيرة للبحيرة بسبب اعتماده على الصرف الصحى لتلك المحافظات، ما يسبب أضراراً بيئية كبيرة، وشمل مخطط تطوير البحيرة تحويل 5.6 مليون متر مكعب من مياه مصرف بحر البقر إلى محطة معالجة ثلاثية بدلاً من الصب فى البحيرة مباشرة.

 


مواضيع متعلقة