على الزيبق والآلة الجهنمية
أظنك يا مولانا ولا ريب تحتاج إلى دقائق تلتقط فيها أنفاسك، وتريح رأسك من وجع «الدماغ» الذى سببته لك فى مقالاتى السابقة، وفى هذه الدقائق سأحكى لك حكاية غريبة رهيبة وقعت منذ أكثر من عامين عندما كان الإخوان على وشك الترشح فى انتخابات الرئاسة، ولك أن تصدقها أو لا تصدقها فهى فى الأول والآخر حكاية من الحكايات.
تبدأ الحكاية منذ عامين ونصف العام عندما خرجتُ بعد منتصف الليل من مقهى على حافة هضبة جبل المقطم اسمها «على الزيبق» وما إن خرجت حتى وجدتُ مجموعةً من المارة يقذفوننى بالحجارة وكأننى وغدٌ أثيم، عتلٌ زنيم، أو كأننى كاشحٌ، ولا تسألنى عن معانى هذه الكلمات فهكذا هى خرجت من قلمى دون أن يكون لى فيها حولٌ ولا قوة، فعلمى علمك، وبما أن الجرى هو كل الجدعنة فلا أخفيك سراً أننى جريتُ حتى انقطعت أنفاسى، وحين دلفتُ إلى شارع جانبى استوقفنى رجلٌ غريب الهيئة، فقلت فى نفسى يا داهية دُقى، من هذا؟ ومن هؤلاء الذين كانوا يقذفوننى بالحجارة؟!.
جذبنى الرجل الغريب من ذراعى وهو يقول لى بصوت أجش: تعالى معى إلى هذا الزقاق، سأخفيك عنهم.
قلت له: يا لطيف اللطف يا رب، زُقاق! من أنت؟ ومن هؤلاء الذين قذفونى بالحجارة؟.
قال بصوت خفيض: أنا «على الزيبق» وأظنك قرأت عنى من قبل فى كتب التاريخ، وهؤلاء من الزُعر، فبعد ثورتكم فى يناير وصعود نجم أصحاب اللحى والعمائم، قام أتباعهم بعمل عصابة تعتدى على الناس باسم الدين.
قلت له: على الزيبق! زُعر! زُعر من يا عم؟ هل هؤلاء من شخصيات «جمال الغيطانى» خرجوا لى من رواية «الزينى بركات»؟!.
قال: أنا أعرف كل أزقة القاهرة ولكننى لا أعرف زقاق جمال الغيطانى!.
تعجبت وقلت: الغيطانى رجل وليس زقاقاً.
قال الغريب: حسنٌ حسن، تجاوز عن جهلى برجال زمنكم.. ثم استطرد: أعرف أنك من الثوار أليس كذلك؟.
قلت بصوتى الذى زاد ارتعاشا: نعم «أنا من الثوار يا على» ولكن كيف عرفتنى؟.
قال: عرفتك عن طريق القيافة، ألا تعرف أننى ابن حسن راس الغول وقد تعلمت أصول العياقة والقيافة والتنكر وهزمت «دليلة المحتالة» و«على الكلبى» وكل شُطار مصر، وأستطيع أن أفعل ما يعجز العقل عن تصوره.
قلت له وأنا أستفهم: ولكن ما الذى تريده يا أخ زيبق؟
قال وهو يتصنع الهمس: أريد أن أنقذ ثورتكم.
تعجبت: تنقذها؟! تنقذها من أى شىء؟.
قال متبرماً: من اللصوص، ولتعلم أنه لا وقت لدينا، صحيح إن عقلك ملخبط لكن ما باليد حيلة، ليس لى إلا أن أتعاون معك من أجل إنقاذ الثورة.
نظرتُ إلى الرجل بإمعان فوجدته يحمل شيئاً فى يده فقلت له: ما هذا الذى فى يمينك؟.
قال متبرماً: أوه، هذا زنبيل أحمل فيه أدواتى وقنينة البنج.
قلت: زنبيل! وما الزنبيل؟
قال منفعلاً: قفّة يا رجل.
قلت بهدوء والكلام يتطوح من فمى: قل لى بسرعة ماذا تريدنى أن أفعل؟
قال: اسمع يا هذا، أعرف أنه قامت ثورة فى مصر، وقد عرفت أن لصوص الثورات قد عقدوا العزم على سرقة ثورتكم.
قلت وقد أعيانى الفهم: لصوص ثورات! يعنى نعمل إيه؟ نضع الثورة فى خزينة فى بنك مثلاً! قال متضجراً: أفٍ لكم، يا بنى آدم أنتم قمتم بثورة، هناك من سيأخذ غنائمها لنفسه، لن تعود ثورتكم بفائدة على الشعب، ولكن على مجموعة من الشُطار.
زاد غبائى فقلت: غنائم! شُطار! والله لقد أعيانى الفهم، من هم الشُطار؟
قال: باللسان المصرى أيام المماليك، الشطار هم اللصوص، فالشاطر لص، والشطار عصابة من اللصوص، يستخدمون البنج لتبنيج الضحايا، ويعقدون الاتفاقات مع عزيز مصر ومع مقدمى الدرك لتقسيم الغنائم، ويقودون الزُعر، ويضحكون على عقول الحرافيش، ويمسحون الجوخ للغُزْ لعلهم ينتفعون بهم.
قلت: زُعر، غُز، دَرَك! والله يا زيبق لقد أصبتنى بالهطل، وحياة رأس والدك لم أفهم شيئاً.
قال وهو يتصنع الجدية: المهم أنك عرفت من هو الشاطر ومن هم الشطار، وقد عرفت أن عصابة من الشطار اسمها الإخوان تنتوى سرقة الثورة، فجئت لمصر، تلك التى تربيت فى حاراتها، وأدبت فيها شميعة اليهودى، وصلاح الكلبى، لكى أنقذكم من شر قد اقترب.
قلت: وماذا تريدنى أن أفعل؟
قال: أثناء أعمالى القديمة عثرت أنا وصديقى «سنجر السرورى» على آلة جهنمية فى جبل المقطم، هذه الآلة ليس لها مثيل فى العالم، استعملتها فى مغامراتى ردحاً من الزمن ثم دفنتها فى قلب الجبل، والآن يجب أن نستخرجها معاً حتى نُبطل كيد الشطار.
قلت وقد ارتعدت فرائصى: ما هذه الآلة وما وظيفتها.
قال: هى آلة ترسل بنجاً غريباً يتجه مباشرة صوب الشطار فينومهم، ثم إذا بهذا البنج يتحول إلى حبل يتحرك وحده ثم يوثق هؤلاء اللصوص ثم يحملهم إلى مغارة فى بطن الجبل لا يخرجون منها أبداً، إذا عثرنا على هذه الآلة سنقبض على لصوص الثورات ونقضى عليهم.
قلت وقد شدنى الحديث: أنا معك، هل معك الخريطة؟
قال: نعم ولكن طبيعة المكان تغيرت، فهل ستستطيع الاهتداء معى إلى المكان؟.
قلت: لى فى ذلك خبرة كبيرة.
قال بهدوء: سنصطحب معنا صديقنا المؤرخ الجبرتى، تعرفه طبعاً، كان مختبئاً فى زاوية من زوايا التاريخ ولكننى بألاعيبى الجهنمية استطعت إحضاره معى، انظر، هذا هو الجبرتى مؤرخ الأزمان، جاء لكى يكتب حوادثَ هذه الأيام، سيصاحبنا ويدوِّن الوقائع حتى تعرف الأجيال المقبلة ما الذى حدث.
نظرت خلفى فوجدت شيخاً كبيراً بعمامة كبيرة يقترب منا، سلمت عليه ثم بدأنا فى مغامرتنا التاريخية.
كانت رحلة شاقة ولكن من أجل مصر وثورتها يهون كل شىء، دخلنا العديد من المغارات ونحن نتخفى من الشطار، كان الزيبق خفيف الظل سريع الحركة بارعاً فى التنكر، وفى إحدى المغارات وجدنا منصوباً على أحد الحوائط سيفين، وفى مغارة أخرى وجدنا صندوقاً كبيراً عليه عبارة «صندوق التصريحات» وبجانبه صندوق أكبر عليه عبارة «صندوق تكذيب التصريحات التى فى صندوق التصريحات»! وبعد لأىٍ كبير وفى المغارة المقصودة عثرنا على الآلة الجهنمية، فقال الزيبق، الآن سنقبض على الشطار، ومرت بعد ذلك أحداث سأترك الجبرتى يحكيها فهو المؤرخ الأكبر، قال الجبرتى:
«ثم دخلتْ سنةُ ثنتين وثلاثين وأربعمائةٍ وألفٍ هجرية وفيها كانتِ الحوادث العظامُ والأحداثُ الجسامُ، وانتظمَ فيها من خطيرِ الوقائع ما لم ينتظمْ فى سواها، وشهدتْ فيها أمةُ العربِ سقوط ملوكٍ كبار زالَ ملكُهُم فى عامٍ واحدٍ بعد أن ثارت الشعوبُ عليهم، وقد قدَّر اللهُ أن ألتقى بأحدِ العياق هو على الزيبق، وتعرفتُ معه على مصرى من أهل القاهرة حيثُ استخرجا آلة ًعجيبةً من مغارة فى المقطم، ومن عجائب أخبار هذه الآلة أنها مرصودة، يحرسها عفريتٌ من الجن فلا يستطيع أحد سرقتها، ومن سحر هذه الآلة أنها تمسك بتلابيبِ الشطار والزعر المتآمرين على الثورات، ذهبنا بهذه الآلةِ إلى منطقةٍ قريبة من مقر جماعة الزُعر التى تسمى نفسها «إخوان» لتمسك بتلابيبهم وتُخفيهم فى بطن الجبل، وفى مقدارِ ذبحِ شاةٍ صغيرةٍ تم سرقة الآلةِ الجهنمية ووصل الشاطرُ الأكبر وعصابةُ الشُطارِ إلى حكم مصر، فانتحر الزيبق وأصابت المصرى القاهرى لوثة فى عقله، وضحك الزعرُ وشرب الحرافيش الشاى بالياسمين، وعندما زال أثر الياسمين ثار الحرافيش على الشطار وأمسكوا بتلابيبهم، وأخفوهم فى بطن السجن، وهرب من هرب من الزعر خوفاً من الخطر، إلى إقليم صحراوى اسمه قطر، وقال المصريون لعفاريت الجن: إن الآلات السحرية لا تصلح معنا، فقد أجرى الله على أيدينا ما يعجز عنه السحرة وأهل القيافة والعياقة».