الوجه الآخر لمنع تداول الدواجن الحية

لا أحد يختلف على النتائج الإيجابية لتعميم بيع الدواجن طازجة (مبردة ومجمدة) فى منافذ صحية نظيفة، دون أن يرى المشترى إدماءها و«نتف» ريشها بعينيه، لكن ثقافته تحتاج إلى تغيير جذرى، وهذا الأخير يتطلب التوطئة والتعريف، وذلك بعد توفير كيان مالى عملاق لتمويل شراء 3.5 مليون دجاجة يومياً، لفترة 45 يوماً، (نحو 8.5 مليار جنيه)، خلال الفترة المسموح السداد بعدها من سلاسل الإمداد.

مؤكد أن هذا الكيان المالى المرتقب، «نائم نومة الثعلب»، حيث يوفر القانون 70 لسنة 2009، الخاص بمنع تداول الطيور الحية، محفظة ائتمانية عملاقة، قد لا يقدر عليها بنك واحد، بل اتحاد بنوك مصر، وقد يتطلب الأمر الاستفادة من مبادرة البنك المركزى، وذلك لإقراض المجازر بفائدة ضئيلة، كون الائتمان سيكون موجهاً لخدمة الأمن الغذائى المصرى.

والأمر كله يشبه عملة ثمينة ذات وجهين، أحدهما يعكس الصورة الحضارية لبلد خال من التلوث البيئى، وبيئة تساعد على تحجيم الأوبئة لخفض نسبة النافق، فيما يزدحم الوجه الآخر بالصور العتيقة المتوارثة عبر أجيال غابرة، ومنها: الصورة الراسخة فى ذهن المستهلك المصرى لدجاجة تمسكها الأيدى حية، ثم تقطع رأسها ذبحاً أمام الأعين، ليسيل الدم، ثم التسمية «حلال الله أكبر باسم الله الرحمن الرحيم»، وغير ذلك فلا تطيب له مأكلاً ولا مذاقاً، فيضطر بحثاً عن الدجاجة المستوردة، التى رسخت أسماءها التجارية منذ عشرات السنين، وتتسم بتغليفها المبهج، دون معرفة ما بداخلها من أسرار.

ومن بين قائمة الصور على الوجه الآخر للعملة الثمينة، تلك الخاصة بمحلات بيع الطيور الحية، التى لم ينجح لها حصر حتى الآن، ويزيد عددها الجزافى على 20 ألف محل، ويعمل بها ثلاثة أضعاف عددها من العمالة المتخصصة، إضافة إلى التجار الذين يحملون الدواجن من المزارع، بالاتفاق مع السماسرة الكبار، الممولين لعمليات الشراء من عنابر المربين «كاش»، وبسعر أقل من السعر المعلن يومياً فى البورصة عادة.

الوجه الآخر من العملة يظهر أيضاً العنابر العشوائية التى تنتشر فى قرى مصر، وضواحى مدنها الكبرى، ويزيد عددها على 25 ألف عنبر، لا توجد بين أصحابها والمجازر أى علاقة تجارية، فيضطرون للبيع حسب حالتهم المالية، وحسب الحالة الصحية لقطعانهم، ولا سبيل أمامهم سوى البيع بالطريقة المتعارف عليها منذ أن خلق الله هذه الصناعة فى مصر.

ولأنه لا يوجد تخطيط أو تنظيم لخريطة الصناعة، بحيث تتوزع المجازر بأنواعها ودرجاتها (اليدوية، نصف الآلية، والأوتوماتيكية) على مناطق التربية، فمن المؤكد أن نقل الدواجن حية سيستمر دون أن يضرب بالقانون عرض الحائط، ولكن جبرياً بالأمر الواقع، حيث لا يمكن أن تستوعب المجازر القديمة فى الدلتا مثلاً، أعداد الطيور الداجنة التى تتطلب البيع والذبح يومياً، وتقدر بما لا يقل أبداً عن 30% من إنتاج مصر، أى بنحو مليون دجاجة يومياً.

ولا تخلو الصورة الداكنة المتداخلة من لوجيستيات التخزين المتاحة، والتى لا تكفى أبداً لتخزين وتداول 3.2 مليون طائر يومياً، بما يعنى فرض التطبيق الجزئى والمرحلى للقانون 70، وكما هو معلن على القاهرة والجيزة، كمرحلة أولى، يجب أن يسبقها تجهيز محلات البيع وتحويلها إلى ثلاجات حديثة لعرض المجمد والمبرد المحليين.

ما يُخشى حدوثه هو ترك العملية برمتها فى أيدى الصدفة، لفتح فرصة جديدة أمام الانتهازيين من الأجهزة المختلفة، ومنها: رجال المحليات، وموظفو الأكمنة، الذين يحملون صكوك المرور لشحنات الدواجن الحية، التى تخرج من عنابرها بتصريحات أيضاً مشكوك فى سلامتها، وبأختام يحملها طبيب بيطرى، يستعد حالياً لشحذ «أمواسه»، فيكيل الإتاوات جزافاً، حتى يدمغ خطاب التنقل بخاتم «سليم وصحى وخال من الأمراض».