عماد عبدالغفور.. فارس بلا جواد

عماد عبدالغفور.. فارس بلا جواد
على منبر خفيض، مرتدياً جلباباً بنّياً قصير، وبلحية متناثرة، ونبرات صوت هادئة، أخذت ترتفع عندما دعا جموع السلفيين للمشاركة فى ثورة ضد النظام الظالم الجائر.. قال الشيخ: «عجبت لمن لم يجد قوت يومه، كيف لا يخرج للناس شاهراً سيفه».
زاغت عيون الحضور، وتعالت الهمهمات، فى مسجد صغير بحى «بوليكلى».. إن الشيخ يدعوكم للخروج على الحكام كما يدعو الشباب الغرّ الذى لا يفقه فى الدين، لم يقل بذلك القول شيوخنا فى الإسكندرية، استنكر البعض عليه ما قال، وخللوا لحاهم بأصابعهم، ففاحت رائحة المسك الحجازى، لتعبق المكان.. وتساءلوا: ما الذى جرى للشيخ؟
فى نهاية سبيعنات القرن الماضى التقى عبدالغفور بياسر برهامى، بعد أن تخرج الجيل المؤسس الأول للدعوة السلفية من جامعة الإسكندرية، وطرح عليه وضع خطة لممارسة الدعوة، فى مواجهة الإخوان المسلمين.
أوسعهم الإخوان ضرباً عندما شرعوا فى نشاطهم الدعوى، فقرروا أن ينقلوا ثقلهم للمساجد والزوايا، وعند هذه النقطة فى كتاب التاريخ، اختفى عبدالغفور.
سافر الطبيب الجراح لإفغانستان ليشارك فى عمليات الإغاثة هناك، لكنه لم يلبث كثيراً، ورحل إلى تركيا، وتعرّف «السلفى» على سيدة تركية، تزوجها وأصبحت أماً لأبنائه.
ظل هناك، لتتوقف سيرة الرجل، وتُلقى عليها غمامة، حجبت الرؤية عن التطورات التى طرأت على أفكاره ورؤاه.. ويظهر بعد ما يقرب من عقدين من الزمان، ليدعو لثورة مخالفاً أقرانه السلفيين.
بعد الثورة، طاف «عبدالغفور» على شيوخ الدعوة ليقذف فى حجْر جلابيبهم ما لم يكن يتخيلونه يوماً، إنه إنشاء حزب سياسى، اقشعرّت أبدانهم من هول المفاجأة، وأرغدوا وأزبدوا، وصاح بعضهم: هذا كفر صريح!
لجأ عبدالغفور لصديقه القديم «برهامى» يقنعه بأنها لحظة مفصلية، يجب أن تقبض السلفية على تلابيبها، وإلا تفرقت هيبتها على أطراف المعادلة السياسية بمدنيّيها وإسلاميّيها..
لمست دعوة عبدالغفور رغبة فى نفس برهامى، فتولى الدفاع عن الفكرة، ونظَّر لها، وظلوا ساعات مخاض طوالاً، حتى وُلد قرار إنشاء حزب النور.. وتولى برهامى بيده سكب ماء بارد على الأتباع المشدوهين.
ظن السلفيون أن اللعبة سهلة، وأن بإمكانهم السيطرة على الجناح السياسى، ما بقى الأتباع «الخلّص» هم مكوّناته، وطاف عبدالغفور الأقاليم، ليؤسس حزبه، الذى اقتنصه من بين أنياب الشيوخ.
كانت عيون الشيوخ تترقب، والرجل يكثر من الحديث عن الديمقراطية، والمدنية، والحريات، والفن والإبداع، حتى طفح الكيل بـ«برهامى» بعدما ذهب عبدالغفور ليوقع على وثيقة «العسكرى» منفرداً.
أرسل «برهامى» رسالته لــ«صديقه القديم»: لا تكن فارساً دون جواد، ولا قائداً دون جيش، كل ما تملك لنا.