«متونّسة بحس مين يا مصر؟!»
- بندقية خرطوش
- حيازة سلاح
- دائرة القسم
- سعيد مرزوق
- سلاح ناري
- طالب جامعي
- علاقة صداقة
- قسم شرطة البساتين
- محمد فؤاد
- أقوال
- بندقية خرطوش
- حيازة سلاح
- دائرة القسم
- سعيد مرزوق
- سلاح ناري
- طالب جامعي
- علاقة صداقة
- قسم شرطة البساتين
- محمد فؤاد
- أقوال
لم ألتقِ بالفنان الراحل عزت العلايلى أبداً، رأيته مرتين أو أكثر فى مناسبات عامة، ولكنى لم أقترب منه ولم أسعَ للتعرف عليه، ولم أتبادل معه حديثاً، على الرغم من أنه كان واحداً ممن تأثرت بهم إلى حد كبير ولعبوا دوراً فارقاً فى تكوينى.
عندما رأيته لأول مرة، وكان يجلس فى مرمى نظرى، تمنيت أن أتحدث معه لأخبره بأننى أحببته وصدقته وتأثرت به عندما جسد شخصية «عبدالهادى» فى فيلم الأرض، وبأنه أخذ بيدى إلى أنبل وأوجع تجليات تاريخنا الحديث عندما جسد شخصية عبدالله النديم فى مسلسل «النديم»، ولكننى تهيَّبتُ، وآثرت أن أتأمله من بعيد، لأتأكد أن ملامحه الأكثر ثباتاً فى وجدانى ظلت تتوزع بين شخصيتىْ عبدالهادى والنديم.. وأن شيئاً راسخاً بداخلى ظل يرفض استدعاء ملامحه أو أدائه فى فيلم «الاختيار» ليوسف شاهين!
قد أكون مخطئاً فى نظر البعض، وقد يعتبرنى آخرون متطفلاً على مجال ليس من اختصاصى، عندما أقول وبأعلى صوت إن حلقات المثقفين التى تشدقت بأطنان من الكلام عن فيلم «الاختيار» الذى لعب بطولته عزت العلايلى، قد أخطأت إلى حد كبير فى تقدير قيمة «الاختيار»، كما فاتها أن تدرك حجم التأثير المذهل الذى أحدثه مسلسل «النديم» فى وجدان الأجيال التى شاهدته أثناء عرضه الأول فى التليفزيون المصرى أوائل الثمانينات من القرن الماضى.
آنذاك، كنا طلبة فى الجامعات، وكانت مصر قد طوت صفحة الرئيس الراحل أنور السادات، وبدأت صفحة جديدة - أو ربما توهمت أنها بدأت صفحة جديدة - مع الرئيس الراحل حسنى مبارك، وكانت كل قرى مصر قد شهدت ما لم تشهده أبداً طوال تاريخها الطويل، عندما خرجت حشود الفلاحين والحرفيين والمتعلمين فى هجرة جماعية إلى دول الخليج، وما هى إلا سنوات قليلة من بدء الهجرة حتى راحت الحياة تتغير تماماً فى القرية، معظم البيوت تم هدمها وإعادة بنائها، والسلع الاستهلاكية المنزلية والأدوات الكهربائية عرفت طريقها إلى البيوت، وتحول المسلسل التليفزيونى إلى فُرجة شديدة الأهمية، وعلى الرغم من الفقر الشديد فى معدات التصوير وضعف الإنتاج، قياساً بما هو متاح الآن، فقد كان العقل الإبداعى المصرى فى قمة توهجه وعنفوانه، وكان المجال مفتوحاً أمام مواهب حقيقية فى الكتابة والتمثيل والإخراج.
وما زلت أذكر حتى الآن الأيام التى شهدت عرض مسلسل «النديم»، حيث كانت كل شوارع القرية تخلو تماماً من المارة، ويتحلق الجميع حول أجهزة التليفزيون فى البيوت والمقاهى، لمشاهدة حلقات المسلسل الذى يروى جانباً من سيرة مناضل مصرى عظيم هو عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، الذى حرص كاتبه الأديب الكبير يسرى الجندى على أعلى درجات الصدق التاريخى والفنى فى صياغته، واستعاد فيه ما تعرض له الشعب المصرى من ذُل ومهانة واستعباد على أيدى الاحتلال الإنجليزى، وكشف فيه عن دور كبار الملاك الأتراك والمصريين فى خيانة الثورة والتآمر عليها، كما حرص أيضاً على تقديم «النديم» بوصفه إنساناً عادياً خرج من أصلاب الفقراء ونشأ وتربى فى بيئة شديدة الفقر أهّلته فى البدء لكى يكون مجرد صعلوك متشرد وزجال وأراجوز يتكسب قوت أيامه من تسلية الأغنياء المتبطلين فى قصورهم ومجالسهم اللاهية.
كان المسلسل على مستوى الكتابة ناضجاً وصادقاً إلى حد كبير، رأينا فيه آباءنا العاديين وأمهاتنا الخائفات علينا من أى فعل يغضب الحكام أو أتباعهم الأقوياء، ورأينا فيه إنساناً متشرداً وضائعاً يتحول تدريجياً إلى بطل شعبى وينضم إلى جيش عرابى، ويجوب محافظات مصر يخطب فى الفلاحين المُعدَمين ويستنهض الهمم للإطاحة بالخديو الخائن وأسرته وأعوانه الأتراك الذين يستعبدون هذا الشعب العريق ويمرّغونه فى أوحال الذل والجهل والمرض.
وجاء أداء عزت العلايلى لشخصية النديم، وإمكاناته المذهلة فى التمثيل، وثقافته الواسعة، وتمكّنه من كل أدوات تجسيد شخصية بحجم النديم المثقف الموهوب، لتضع كل المشاهدين فى قلب واحدة من ملاحم ومآسى التاريخ المصرى الحديث، وما زلت أذكر كيف كنا تجتمع لنناقش الحلقة التى رأيناها، وقد أدى هذا النقاش إلى نتائج مذهلة فى روعتها، تصلح أن تكون درساً شديد الأهمية لصناع الدراما التليفزيونية فى أيامنا هذه، سارعنا إلى كتب التاريخ، وبحثنا عن كتب تتناول الثورة العرابية، وأخرى تتحدث عن عبدالله النديم، وإذا بما عثرنا عليه يقودنا إلى فترات سابقة، ثم فترات لاحقة، تعرفنا على النديم وعرابى والبارودى ومحمد عبيد ومصطفى كامل، قرأنا عن الولادة الأولى لبرلمانات مصر، وتمادينا فى البحث لنصل إلى تاريخ ملكية الأرض الزراعية ودور كبار الملاك فى السياسة المصرية.. وتوقفنا طويلاً أمام جمل ناصعة فى كتابة التاريخ، مثل: «دخل الاحتلال الإنجليزى مصر على بُساط من خيانة الإقطاع للثورة العرابية».
ليس هذا فقط، لقد كان هذا المسلسل وغيره من المسلسلات مثل «الأيام» و«زينب والعرش» من أهم أسباب نشوء حركة ثقافية واسعة فى الريف المصرى، وُلد شعراء عامية كثيرون من رحم أغانى مسلسل النديم التى كتبها الموهوب الكبير عبدالرحمن الأبنودى، وملأت الألحان المبدعة التى وضعها عمار الشريعى لكلمات الأغانى، وجدان الناس بالشجن والرهافة، وما زلت أتذكر دموع الآباء والأمهات تنساب من عيونهم وهم يتابعون «النديم» هارباً ومختبئاً ومنفياً، والموسيقى والأغانى تلاحقه بكلمات وألحان شديدة الوجع والعذوبة: «راحل من تانى راحل/ فايت صوتى فى حاراتك/ فايت صوتى فى سكاتك وخضرتى فى نباتك/ يا مصر.. وتنى راحل».
فى مسلسل «النديم» كانت هناك مشاهد كاملة يناجى فيها «النديم» نفسه، بلغة عربية فصحى، لم يحدث أبداً أن شعر معها الفلاحون الأميون بأى اغتراب، لأن يسرى الجندى كتبها بلغة شديدة الوضوح والعذوبة، كانت أقرب للشعر منها إلى النثر، وكان الأداء السليم وامتلاك ناصية اللغة عند القدير «عزت العلايلى» من أهم أسباب وصول كل جماليات اللغة إلى هؤلاء المحرومين من أى تعليم.. وكانت دموعهم تطفر من عيونهم وهو يتوجع من فراق زوجته أو وهو يتوجع من رحلة الاختباء لمدة 9 سنوات فى قرى الدلتا بمحافظتى الدقهلية والغربية.
هل من دروس أخرى نستعيدها ونحن نودع ممثلاً وفناناً عظيماً مثل عزت العلايلى؟ نعم، الدروس كثيرة، ولعل أهمها أن نحصى الفوائد المذهلة التى جنيناها من عدة أعمال درامية كانت فقيرة جداً فى الإنتاج، ولكنها كانت عالية القيمة من ناحية الكتابة والتمثيل والإخراج، وراكمت وعياً وتنويراً وانتماءً يستحيل أن تقوم به ملايين الخطب والشعارات والبرامج والمسلسلات الدعائية، ولعلنى الآن أعترف أننى فى هذه السنوات التى شاهدت فيها مسلسلات مثل «النديم والأيام وزينب والعرش»، كنت أكثر ميلاً لتصديق جماعات الإسلام السياسى، وكنت على وشك الانجراف فى طريقهم، وإذا بمسلسل النديم يخطفنى من هذا الطريق، ويضعنى على طريق الوعى ويمنحنى رؤية واسعة لحركة التاريخ، ويملأ وجدانى بروعة الإبداع وقدرته على أن يصنع إنساناً يكره التطرف والإقصاء والتمييز بين الناس.
وأخيراً.. ها هو فارس عملاق آخر يترجل، ويغادر إلى رحمة ربه.. وفى اللحظة التى سمعت فيها خبر رحيله لم أستطع أن أمنع نفسى من البكاء وأنا أتصوره منشداً فى شجن: «ياللى سهرتى الليالى يونّسك صوتى/ متونّسة بحسّ مين يا مصر فى غيابى».