كلنا دونالد ترامب!

رامى جلال

رامى جلال

كاتب صحفي

«دونالد ترامب» رئيس أمريكى منتهية ولايته، سيدخل التاريخ من بوابة الأسوأ؛ فيبدو أنه كان يظن نفسه فى إحدى الدويلات الصغيرة، فظل يُسخن أتباعه، ويُردّد الادعاء المزعوم بتزوير الانتخابات، لكنّه تراجع فى النهاية حين بدأ الناس يموتون بسببه بعد اقتحام بعض الجماهير الغاضبة لمبنى الكونجرس. خضع الرجل وتعهد بنقل منظم للسلطة بعد فشل كل محاولاته الشعبوية البائسة فى تقويض مؤسسات واحدة من أكبر دول العالم.

كل ما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية، من بعد الانتخابات الأخيرة لم يُثبت أى شىء إلا أن الدول الديمقراطية المؤسسية تُصحّح مسارها ذاتياً بغض النظر عن أى لحظات انحراف قد تمر بها.. حاول «ترامب» استغلال سلطاته لمرات كثيرة لعرقلة سير الدولة الأمريكية نفسها. لكن أمريكا معقل البراجماتية، وهى تمارسها بقوة وتوحش، حتى على نفسها. براجماتية هدفها الأسمى هو الحفاظ على الدولة، لذلك لا شخص أقوى من المؤسسة، ولا مؤسسة أقوى من الدولة، لذلك تعيد الأوضاع تصحيح نفسها بنفسها بطريقة ذاتية.

لم تنفع «ترامب» أغلبية حزبه فى مجلس الشيوخ، ولا فى المحكمة الفيدرالية الأمريكية. ولم يُطعه نائبه، الذى هو رئيس مجلس الشيوخ، فى مساعيه لعرقلة جلسة اعتماد نتائج الانتخابات. كما أن المؤسسة العسكرية قد لا تسمح له بأى مغامرات مدمّرة يُكلّل بها فوضى أيامه الأخيرة.. أصبح رئيس أكبر دولة فى أضعف حالاته، يدعو الله ألا تتم إقالته قبل يوم العشرين من يناير، وألا تتم محاكمته بعده.

رغم كل ما سبق من الخطايا الترامبية، فإن ما قامت بها الشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعى مع «دونالد ترامب» سيتوقف تاريخ الإعلام عنده كثيراً، لأنه يؤسس لمرحلة جديدة من الاعتداء الانتقائى الشرس على حرية التعبير، من مجموعة من رجال الأعمال.

مواقع «فيس بوك» و«تويتر» و«سنابشات» أوقفت وحظرت جميعها حسابات «ترامب»، وحين توجّه متابعوه إلى منصة جديدة تُسمى «بارليه» (وهى كلمة فرنسية معناها «تكلم»)، قامت شركات «آبل» و«جوجل» و«آمازون» بمنع الوصول إلى التطبيق! كما قام موقع «ريديت» كذلك بحجب صفحة «ترامب» (وهو خليط بين كونه موقعاً للتواصل الاجتماعى، ومنصة إخبارية).

أما موقع «يوتيوب» فأعلن أنه سيحذف كل القنوات التى تنشر مقاطع فيديو تشكك فى نتائج الانتخابات الأمريكية! وموقعا «تيك توك» و«بينتريست» حذفا المنشورات التى بها وسم (هاشتاج) يشير إلى التلاعب فى الانتخابات.

كل هذا فضلاً عن قطع عدد كبير من البنوك لعلاقاته مع حملة «ترامب». وكذلك أوقفت شركة «سترايب» تعاملاتها مع الموقع الإلكترونى لحملته. وهذه الشركة متخصّصة فى عمليات الدفع الإلكترونى على المواقع وتطبيقات الهاتف المحمول. كما أنهى موقع «شوبيفى» للتجارة الإلكترونية تعاملاته مع «ترامب» (حتى اتحاد محترفى الجولف سحب تنظيم بطولة من ملعب «ترامب» للجولف فى ولاية نيوجيرسى).

يرى بعض المحللين أن كل هذه المواقع ما كان يمكنها أن تقوم بما قامت به لو كان «ترامب» فى عنفوانه، لكنها تناطح الآن «بطة عرجاء» بالتعبير الأمريكى الشهير، وذلك بعد أن أقر الكونجرس هزيمة «ترامب»، وفاز الديمقراطيون بأغلبية مقاعد مجلسى النواب والشيوخ.

الحجب الإعلامى الشامل لـ«ترامب» هو إجراء مرعب يؤسس لمستقبل تتحكم فيه الشركات الخاصة. إذا أرادت الحضارة الغربية أن تُصحّح مسارها، فعليها أن تُعيد وجود «ترامب» على هذه المواقع مرة أخرى، بموجب أحكام قضائية.. عموماً سنرى ما تحمله لنا الأيام.