هل يصلح الفلاح المصرى لوظيفة أخرى؟

السؤال العنوان ليس له جواب إلا لدى المعنيين بخلق فرصة وظيفية فى منظومة تنمية الموارد البشرية المصرية، وهم يعلمون أن الفرصة الوظيفية المنتجة تكلّف الدولة 500 ألف جنيه.

هؤلاء على اتصال دائم بوزير الخزانة المصرية، والجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، ووزارة التخطيط، ويتابعون تقارير البنك الدولى، الذى أكد فى نهاية الربع الأول من عام 2018، أن مصر فى حاجة إلى مليون وظيفة سنوياً، وأن المليون وظيفة تتطلب 500 مليار جنيه، بما يعنى أن الوظيفة الواحدة تتطلب تدبير نصف مليون جنيه.

فإذا كانت هذه الأرقام تشير إلى حقائق، وإذا كان المسئولون عن التخطيط المستقبلى لمصر يعلمون أنها حقائق، فلماذا نتكاسل عن فعل ما ينقذ نحو 30 مليون وظيفة فلاحية فى مصر تتعرض للضياع، دون أن يكون هناك البديل الذى يستوعب أصحابها؟

إن أى مدير لا يحب الفشل، وقد يهتدى ذات يوم إلى أن ما يُعرض عليه من تقارير نجاح، ليست سوى نجاحات وهمية، من حيث الأداء الاقتصادى، أو المالى، أو الترفيهى، لشعب تصحو كتائب المنتجين فيه يومياً ببكائيات مدوية، دون أن يجد أفراده من يكفكف دموعهم، أو يوقف نزيفهم الروحى، نتيجة الشقاء الخالى من أى نتيجة تصب فى خانة العيش الكريم.

وحتى لا يكون الحديث سجعاً لغوياً، نستعرض الآتى، عله يتجاوز الجُدُر العازلة، ليصل إلى صانع القرار بذاته، وهو الرئيس عبدالفتاح السيسى:

- مصر تزرع حالياً نحو 8.5 مليون فدان كمساحة أرض، تبلغ مساحتها المحصولية نحو 20 مليون فدان، بحساب تعدد العروات، ولم يعد فيها فدان واحد يحقق الربحية، لا قمحاً، ولا فراولة، ولا ما بينهما مما يندرج تحت «الاستراتيجى»، أو «التصديرى».

- أنشأنا مجمع الغزل والنسيج الجديد العملاق فى المحلة، لكنه لم يجد من يستشعر الخير فيحول مصر إلى زراعة القطن قصير التيلة، لوقف استيراد الأقطان الهندية والأمريكية، وبالتالى تشغيل فلاحينا فى إنتاج الذهب الأبيض مرة أخرى.

- دخلت زراعة البطاطس المصرية نفقاً مظلماً، وتشرّد زارعوها، بعد أن ضربتها العشوائية، إما لغياب التخطيط لموازنة بين ما هو مطلوب لإنتاج استهلاكنا المحلى، وقدراتنا التصديرية، وبين كمية التقاوى المستوردة من الخارج، التى تفرض زراعة مساحات زائدة على الحدود المسموحة اقتصادياً، ليهبط مؤشر البطاطس من نقطة الستر إلى نقطة الحبس.

- عادت الموجة المتجددة من «كورونا» وموسم بشائر الفراولة المصرية على الأبواب، فسقطت قلوب مزارعيها تحت أقدامهم، وبدلاً من بيع الكرتونة (زنة 2.5 كجم) بـ70 جنيهاً للمصدرين، سوف تُلقَى فى السوق المحلية لنجد الفراولة للمرة الأولى فى تاريخ زراعتها بسعر لا يمثل 20% من تكلفة إنتاجها فى الحقل، وكل هذا بسبب عدم استجابة الجهات المسئولة فى الدولة عن قطاع الزراعة للنداءات المتكررة بإحياء التعاونيات الإنتاجية، وتشجيع إنشاء الصناديق الحمائية، التى تبنى مصانع تحويلية لصالح المنتجين، وليس لصالح قناصين، يبنون سعادتهم على شقاء الفلاحين، ولنا فى قصة «الطماطم والصلصة» تاريخ طويل من الغُبن.

- تراجعت إنتاجية الزيتون فى مصر موسم 2020 لنحو 20% من الإنتاج المتوقع، ومع احتكام أسواق العالم كلها لنظرية العرض والطلب، ترنحت هذه النظرية فى مصر، ليحقق الزيتون سعراً يقل عن سعر العام الماضى، سواء على صعيد ثمار المائدة، أو الزيت، وليُهزَم المنتجون بلمس الأكتاف، ولا يزال هناك من يتشدق كذباً بأنه المكلف الرئاسى بزراعة 100 مليون شجرة زيتون (ليس لها مساحة، ولا إمكانيات مالية، ولا تسويقية).

- نال الفلاح المصرى فى شمال الدلتا والمحافظات الخبيرة بزراعة الأرز درجات عالمية فى الإنتاجية، ليست موجودة فى بلاد الأرز، وتكدست بيوت الفلاحين بأجولة الأرز المصرى، ليفاجئنا السيد وزير التموين بطرح مناقصات لاستيراد الأرز الهندى لتقديمه مدعماً على بطاقات التموين، فيتعرض الأرز المصرى لهبوط سعرى لا يسدد تكاليف إنتاجه.

- من يدعى أنه يحارب زراعات الأرز، بهدف تحقيق خطة الدولة فى توفير مياه الرى، فإنه من الثابت علمياً توافر أصناف قصيرة العمر استنبطها مركز البحوث الزراعية، كما أن زراعة الأرز علاج لا غنى عنه لأراضى الدلتا من تملُّح مياه البحر.

- يجتهد وزير الزراعة الحالى فى تفعيل منظومة الزراعات التعاقدية، بآليات تنفيذ جديدة، وذلك لإحياء محور زراعة الذرة الشامية، التى تستورد مصر منها سنوياً ما لا يقل عن 7 ملايين طن لزوم أعلاف الدواجن، ورغم القرار الجمهورى 14 لعام 2015 بإنشاء مركز للزراعات التعاقدية، يظل الأمر رهن الطرف المشترى، الذى يفضل الذرة الأجنبية بأعفانها على الذرة المصرية الطازجة، لمجرد فارق سعرى زهيد.

ومع كل هذه الشواهد، قد يرى البعض أن انهيار أسعار الحاصلات الزراعية والدواجن واللحوم والأسماك فى صالح المستهلك، وهو نجاح للحاكم، لكن الرد هنا مرهون بقراءة الوجه الآخر لهذا الافتراض، وهو إفلاس المنتجين، واستيراد غذائنا ذات يوم، وتشريد فلاحينا ومربينا للعمل بمِهَن لا تتفق وطبيعتهم التى خلقهم الله عليها. وإن كانت هناك نظرية تفضل التخلى عن الزراعة، وتحويل الأراضى إلى ثروة عقارية، فهنا لا يصبح أمام أكثر من 40 مليون فلاح ومربٍ سوى الاستعداد للعمل بوظيفة «بواب».