استراتيجية مقترحة لتحسين الأداء والخدمات الحكومية

كلنا يذكر خبرات التعامل مع الأجهزة الحكومية للحصول على خدمة أو لإنجاز معاملة. فأغلب الأجهزة الحكومية لدينا تعمل بنظام اللوائح والإجراءات، ولا تركز على رضا العملاء متلقى الخدمة، ولا تعمل بنظام الأهداف ومؤشرات الأداء والنتائج. وقد قمت منذ أكثر من عامين، بناءً على طلب من الجهات المختصة فى الحكومة، بوضع نظام ولائحة تنفيذية لإدارة أداء العاملين بالجهاز الحكومى وضمّنته أدوات معاصرة لتخطيط الأداء وقياس المتحقّق منه على كل المستويات التنظيمية فى الحكومة، وكذلك مستويات العاملين، وفق أحدث النظم والمرجعيات العالمية. ولم يتم حتى الآن تطبيق هذا النظام. وقد تقدّمت النظم الحكومية فى العالم منذ عقود، أخذاً بنظام إدارة الأداء، ونظام موازنة الأداء، ونظم تحسين الخدمة بالتركيز على المواطنين متلقى الخدمة، لكن المؤسسات الحكومية لدينا ما زالت على قديمه، تدير أعمالها وخدماتها باللوائح والإجراءات، ولا يتم تخطيط المستهدَف من النتائج المرتبطة بهذه الخدمات، ولا قياس مؤشرات أدائها الفعلى ونتائجها، ولا المحاسبة والمساءلة عن هذه الجوانب، ولا اعتبار المواطنين كعملاء يصممون الخدمة ويقدمونها سعياً للتيسير عليهم وإرضائهم.

هناك مبادرة جديرة بالاعتبار والذكر وهى «مصر الرقمية» التى تبنّتها الحكومة مؤخراً لتحويل جزء كبير من الخدمات الحكومية إلى خدمات إلكترونية. وسيُمثل هذا التحول (إذا تم وأحسن تنفيذه، وتم التوسع فى الخدمات محل التطوير، واستكمل بعناصر أخرى مما سيرد فى هذه الدراسة)، نقلة كبرى فى أسلوب تقديم الخدمات والتعامل مع جمهورها. وتتضمن هذه المبادرة فى مرحلتها الأولى خدمات إصدار وتعديل بطاقات التموين، وخدمات المحاكم فى إقامة الدعوى وتسجيل المحامين، وخدمات رخص القيادة والمركبات المتعلقة بالمخالفات وإصدار بدل تالف وفاقد للرخص القائمة، وخدمات الشهر العقارى المتعلقة بالتوكيلات والمحرّرات وإقرار البيانات المساحية. وقد بدأت المبادرة بالخدمات السهلة نسبياً فى التحول الإلكترونى، وإن كانت محدودة، بالقياس إلى الكم الواسع والهائل للخدمات والمعاملات الحكومية. ورغم ما طرأ على بعض الخدمات فى عدد من الجهات الحكومية خلال العامين الأخيرين من تطوير تقنى بإدخال الحاسب الآلى فى أعمالها، فالكثير منها ما زال يعمل بنظم ورقية على التوازى مع الحاسب الآلى، فتصبح الإجراءات مزدوجة، وتوقف المردود الإيجابى لإدخال الحاسب فى نظم العمل. وما زالت كل الجهات (بما فيها جهات المبادرة الرقمية) تعمل بنظام اللوائح والإجراءات، ولا توجد مؤشرات أداء معيارية لإنجاز معاملات المواطنين مع هذه الإدارات. وأغلب الخدمات الحكومية العادية تستغرق إجراءات مطولة ووقتاً ممتداً وسط زحام المواطنين (حتى فى ظروف جائحة الكورونا)، وبعضها تقع إجراءاته (التى تتطلب تحرك المواطنين عبرها) فى مواقع متناثرة ومتباعدة. وبالمقارنة بالعالم فإن هذه الخدمات أصبح جزء كبير منها يقدم إلكترونياً، وعن بُعد من خلال الإنترنت. وقد تم تطويرها بحيث لا تستغرق سوى دقائق إذا تطلب الأمر حضور المواطن، وتتم فى مسارات قصيرة تستهدف سرعة الخدمة وراحة المواطنين. وقد تحقّق هذا عندما وضعت للخدمات معايير ومؤشرات أداء يتم قياسها والالتزام بها، ويكون المواطن مستهدفاً أساسياً فى تصميمها وتطويرها وله دور رئيسى فى تقييمها. الغريب فى الأمر أن مثل هذه المواجهات التى تستهدف الكفاءة والسرعة وراحة المواطنين يتم تطبيقها إلى حد ما فى عدد محدود جداً من الإدارات الحكومية، مثل إدارات الجوازات والجنسية التابعة، والاقتباس منها لوزارة الداخلية منذ أكثر من أربعة عقود، بفضل تطوير أدخل وقتها على خدمات ومعاملات هذه الإدارات. وكان يمكن أن يتم أخذ تطوير أداء هذه الإدارة وغيرها ممن تمثل مثالاً للكفاءة والفاعلية وراحة المواطنين كنماذج معيارية، للاستفادة بتجاربها وخبرتها فى تحسين بقية الخدمات الحكومية فى الجهات ذاتها وفى غيرها. هذا ناهيك عن التعرّف على والاقتباس من النظم الحديثة فى العالم التى تطوّرت تطوراً مذهلاً خلال العقدين الأخيرين فى الكفاءة والفاعلية واليسر وراحة المواطنين.

وتمثل الخدمات والمعاملات الحكومية مع القطاع الخاص والمستثمرين مجالاً حيوياً يؤثر تأثيراً كبيراً فى مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال. ورغم محاولات الحكومة، عبر عقود، تحفيز وجذب الاستثمارات، فإن نظم وإجراءات التعامل لهذا القطاع مع الأجهزة الحكومية بما تتطلبه من ورقيات ووثائق وخطوات وتشتيت جهود المتعاملين وزمن وتكلفة التعامل وإنجاز الخدمات، تمثل عائقاً منيعاً ومزمناً فى تيسير وتحسين بيئة الاستثمار والأعمال. هذا فضلاً عن ضعف جاذبيتها وتنافسيتها، إذا ما قُورنت بنظائرها فى دول تعتبر منافسة لمصر فى جذب الاستثمار وأنشطة الأعمال. ورغم أنه تم إدخال بعض النظم المتطورة فى بعض جهات التعامل، مثل نظام الشباك الواحد فى هيئة الاستثمار وبعض الجهات الأخرى، فإن تطبيقه شابه خروج عن مقصد هذه الآلية، وهو اختصار جهد المتعاملين وتسريع الخدمات المقدّمة لهم. فيتطلب التسريع مثلاً أن يتم اختصار وتبسيط وضبط وتنسيق الإجراءات التى تجرى فى الوحدات الداخلية فى الجهة التى يتم التعامل معها، ليكون للتحول لنظام الشباك الواحد أثر ومردود يشعر به المتعاملون مع تلك الجهة. وقد فعلت هذا إدارة الجوازات والجنسية كما ذكرنا منذ منتصف السبعينات من القرن الماضى واستمرت عليه وطورته، واستمر واستدام هذا التطوير ولم يتراجع، لأنه وضع المتعاملين كهدف لهذا التطوير، وقارن واقتبس من النظم العالمية. أما نظام الشباك الواحد الذى أدخل فى جهات أخرى فلم تأخذ المتعاملين كغاية نهائية. وتمثل المعاملات مع الجهات القضائية حالة متطرّفة فى التعقيد والبطء والترهل، بالنسبة للمستثمرين والمواطنين عامة. فخلال عقود طويلة لم يدخل على هذا المرفق تطوير يستهدف الكفاءة والسرعة والفاعلية، ناهيك عن التميز وجودة الخدمات. فأغلب القضايا مثلاً تأخذ سنوات للبت فيها وإصدار أحكام بشأنها. ولا شك أن لهذا آثاراً سلبية على بيئة الاستثمار ومناخ الأعمال، وعلى المواطنين الذين يضطرون إلى التعامل مع المؤسسات القضائية. وهناك أمثلة أخرى كثيرة فى أجهزة التراخيص والضرائب والجمارك، التى تعانى من التعقيد والبطء والترهل، فضلاً عن تكلفة التعامل مع هذه الأجهزة. فهذه التكلفة يقدّرها المستثمرون، خاصة أولئك الذين يقارنون بين الدول من حيث جاذبية وجدوى وتكلفة الاستثمار فيها، حيث تدخل تكلفة المعاملات Transaction Cost مع مؤسسات الدولة ضمن هذه الأعباء التى يتحمّلها المستثمر. ولدى البنك الدولى مجموعتان من المؤشرات ينشرهما دورياً عن بيئة الأعمال Doing Business Survey والمعاملات للمشروعات Enterprise Survey، عن أغلب دول العالم. وهى تقوم على مسوح عن الخدمات الحكومية وغيرها، وعن خبرات المشروعات والمستثمرين بها. وقد تقدّمت مصر فى الترتيب خلال العام الأخير فى مؤشرات بيئة الأعمال من 120 إلى 114، وذلك من 190 دولة، نتاجاً للتحسين فى بعض المؤشرات. لكن المطلوب تحسين أشمل، حيث لا يزال ترتيب 114 ضعيفاً إذا ما قورن ببعض دول المنطقة، مثل دولة الإمارات وهى الأعلى فى المنطقة العربية (الترتيب 16) وتركيا (الترتيب 33). وتتضمن مؤشرات معاملات المشروعات مؤشرات عن مناخ الأعمال وممارسات الفساد فى الأجهزة الحكومية.

وتشير البحوث التى أجريت على مستوى العالم إلى أن ممارسات الفساد تزيد نتاجاً لكثافة التعقيدات والإجراءات البيروقراطية للأجهزة الحكومية التى تتعامل معها المشروعات. وقد أشرفت على الكثير من البحوث والرسائل العلمية بالتطبيق على مصر، باستخدام هذه المؤشرات، وبالمقارنة بدول أخرى، حتى بعض الإعلان عن تطبيق مجموعة من الإصلاحات المؤسسية فى أجهزة التعامل مع القطاع الخاص والمستثمرين، كانت نتائجه سلبية، أى لم يكن للإصلاحات المعلن عنها مردود أو أثر ملموس على بيئة الأعمال ومعاملات المشروعات.

وفى رسالة علمية أخرى أشرفت عليها كان الهدف تقييم عبء ممارسات الفساد فى مصر وفق مؤشر معاملات المشروعات على المشروعات وفق أحجام المشروعات. وأظهرت النتائج أن عبء ووطأة الفساد على المشروعات الصغيرة فى مصر أكبر بدرجة جوهرية (إحصائياً) عن المشروعات الكبيرة. ويمثل هذا عائقاً كبيراً تواجهه المشروعات الصغيرة، مما يؤثر سلبياً على قدرتها على النمو والاستمرار. وهو يمثل فضلاً عن ذلك مساراً عكسياً لما تود الدولة تحقيقه بإيلاء المزيد من الاهتمام والمبادرات الموجّهة لدعم المشروعات الصغيرة. وخلال الخمس وعشرين سنة الماضية، ومن خلال المؤتمرات والندوات التى أشرفت عليها أو شاركت فيها على المستوى العربى أو فى مصر، كنت أؤكد أن أولوية الإصلاح الحكومى لتحسين خدماته، ينبغى أن تبدأ بالأجهزة التى تتعامل مع المستثمرين والقطاع الخاص (شاملاً المشروعات الصغيرة)، فمثل هذا الإصلاح يكون له أثر مباشر على التنمية. والأمثلة كثيرة فى العالم على هذا. والمثال الأقرب هو ما تم فى دبى منذ أواخر التسعينات وامتد للإمارات كلها الآن فى التحسين المستمر للخدمات المقدّمة للقطاع الخاص وللمواطنين عامة. الدرس المستفاد هنا أن تعطى أولوية لإصلاح الخدمات والمعاملات المقدّمة للمستثمرين والقطاع الخاص فى مصر، لتحسين بيئة الأعمال والمعاملات مع منشآت القطاع الخاص، استرشاداً بالمرجعيات الدولية من ناحية، والسعى الجاد لتحسين مؤشرات البنك الدولى وغيره من المؤسسات الدولية المعنية ببيئة الأعمال.

ويكمن السبب فى الأوضاع المزمنة للخدمات الحكومية، فى عدم وضع أهداف ومعايير لهذه لخدمات وقياس أدائها ونتائجها، من حيث الكفاءة والسرعة وجودة الخدمة ونزاهتها وشفافيتها وراحة المتعاملين. ويمثل عنصرا النزاهة والشفافية والمساءلة عوامل مفتقدة فى أغلب الخدمات الحكومية التى تقدم بالطرق التقليدية، مما ييسر نفاذ الفساد إليها وتفشيه فيها. وسيمثل التحول الرقمى (الإلكترونى للخدمات) إحدى وسائل تقليص فرص الفساد. وللفساد فى الأجهزة الحكومية حديث آخر. لكن ما أود تأكيده هنا أن غياب نظام موجه بالأداء والنتائج فى إدارة الخدمات الحكومية له آثار وخيمة على كل جوانب جودة وأداء هذه الخدمات والممارسات المرتبطة بها. ويمثل عدم الأخذ بنظام إدارة الأداء فى الجهاز الحكومى وتمكين المواطنين المتعاملين (من خلال التقييم وإبداء الرأى والاقتراحات والشكاوى التى يوضع لها نظام فعال وتؤخذ بكل الجدية) سبباً فى تدنى كفاءة وجودة خدماته. وكذلك يتطلب التمكين التركيز على حق المواطن فى خدمة جيدة وتمكينه من محاسبة الجهات المقدمة للخدمة من خلال آليات التقييم والشكاوى، على النحو المتزايد فى دول العالم الآن. ويمثل غياب معايير تتعلق بالمواطنين من حيث راحتهم ومعاملتهم ودورهم فى تقييم الخدمة المقدّمة لهم، سبباً جوهرياً فى الأوضاع الراهنة للخدمات والمعاملات الحكومية.

عناصر الاستراتيجية المقترحة

يحتاج الأمر لتحسين الأداء والخدمات الحكومية بصورة جوهرية لأن يتم تبنى استراتيجية جديدة ومعاصرة متعدّدة العناصر لهذا الغرض، تستفيد من تجارب وخبرات العالم، وبحيث تتكامل هذه العناصر معاً، لأن نتائجها ونجاحها يتوقفان على تكاملها وتضافرها. ونورد فى ما يلى أهم عناصر هذه الاستراتيجية.

1 - الغايات والأهداف والأولويات الاستراتيجية لتحسين الأداء والخدمات. ينبغى أن تكون لاستراتيجية تحسين الأداء والخدمات غايات وأهداف تصب فى أولويات تنموية. ويعنى هذا أن تتحدد أهداف التحسين والقطاعات المجتمعية المستهدفة منه (مع إعطاء اهتمام بالقطاعات الأكثر احتياجاً للخدمات الحكومية)، وأن يتم اختيار الخدمات التى تمثل أولويات فى المرحلة الأولى لتحسين الأداء والخدمات. وتمثل الخدمات والمعاملات مع المستثمرين والقطاع الخاص والمصدرين، شاملاً المشروعات الصغيرة (بحكم أنها مستوعب جيد للعمالة ورافعة للنمو والتنمية الاقتصادية)، ومتضمناً تنقية هذه المعاملات من الفساد وتقوية نزاهة ممارساتها، مجالاً جديراً بالأولوية من حيث إسهامه فى توسيع قاعدة النشاط الاقتصادى والتشغيل. ويمثل قطاع القضاء مجالاً حيوياً آخر ينبغى أن يمثل أولوية، وأن يوضع على مسار التحسين والتميّز لخدماته. وكذلك فإن مجالى التعليم والصحة يمثلان قطاعين شديدى الأهمية فى تنمية وتحقيق رفاهية والحفاظ على رأس المال الإنسانى الذى يمثل عصب التنمية وهدفها ووسيلتها.

2 - الأخذ بالنظم المعاصرة لإدارة الأداء فى المؤسسات الحكومية. لقد تخلى الكثير من الدول عن نظام الإدارة باللوائح والإجراءات، لأنها اكتشفت أن هذا النظام لا يصب فى كفاءة وفاعلية ونتائج الأداء المؤسسى، ولا فى تحسين جودة الخدمة للمواطنين، لأنه نظام مسرف فى البيروقراطية وجامد ومقاوم للتغيير ولا يصب فى راحة ورضا المواطنين. واستبدل هذا النظام بنظام إدارة الأداء الذى يقوم على تخطيط ووضع أهداف قابلة للقياس على كل المستويات، من مستوى الوزارة أو الهيئة مروراً بكل القطاعات والإدارات والوحدات التنظيمية إلى مستوى جماعات وفرق العمل والأفراد العاملين. وهذا التخطيط لا يشمل فقط النتائج المستهدفة وإنما أيضاً القدرات والمهارات والسلوكيات المطلوبة. وتقدم المنظمة والمديرون والمشرفون المباشرون التدريب والتنمية اللازمين للعاملين لاستكمال قدراتهم ومهاراتهم.

ويتحدد كل هذا بمشاركة المستويات الأدنى (العاملين) مع المستوى الذى يعلوها (المديرين والمشرفين). ويتم متابعة الأداء المرحلى خلال تنفيذه، ثم يتم فى نهاية الفترة تقييم الأداء بشقيه (النتائج المتحقّقة والمهارات والسلوكيات المتفق عليها فى خطة الأداء لكل فرد. وهذا التقييم يتم أيضاً بمشاركة العاملين وفى مناخ ديمقراطى. وفى المنظمات التى تقدم خدمات للجمهور، يكون هذا الجمهور مستهدفاً بكفاءة وجودة الخدمات المقدّمة ويكون له دور رئيسى فى تقييمها. ومن الطبيعى أن يمثل هذا النظام تحولاً شاملاً فى نظم وأداء وممارسات الكوادر القيادية والإشرافية والعاملين فى المنظمات الحكومية. ويتطلب نجاحه أن يستند إلى دعم ومساندة وقناعة بجدواه التى ثبتت فى الدول التى تأخذ به ويتزايد عددها سنة بعد أخرى، وذلك من أعلى مستوى فى الدولة والحكومة (رئيس الدولة ومجلس الوزراء). كما يتطلب نجاحه إعادة النظر فى النظم اللائحية والغابة القانونية الكثيفة والموحّدة الحاكمة للعمل الحكومى لاختزالها بصورة جوهرية، وإتاحة الفرصة للامركزية وتمكين المنظمات من وضع لوائحها (المبسطة جداً) التى تحتاجها، بما لا يُجهض الغايات المستهدفة من إدخال نظام إدارة الأداء.

3 - الإسراع بإدخال نظام موازنة الأداء والبرامج. ويقوم هذا النظام على تخصيص مبالغ الموازنة، بناءً على الأهداف المخططة المطلوب تحقيقها، والمشروعات المخططة المطلوب إنجازها خلال فترة الموازنة. وهذا النظام عكس النظام الحالى الذى يقوم على تخصيص الأموال وفق أبواب الموازنة وبنودها، أى نوعية المصروف (أجور، مستلزمات... إلخ). وقد اتّخذت الحكومة منذ نحو عامين قراراً بإدخال النظام الجديد فى بعض الجهات المختارة لاختباره وكمرحلة تمهيدية قبل تعميمه. لكن اللافت هنا أن الجهات التى اختيرت لتطبيق النظام الجديد، لا يجرى فيها تحول جوهرى فى أسلوب الإدارة من تخطيط استراتيجى تشتق منه أهداف ومؤشرات قياس ومشروعات مخططة، إلى رقابة وقياس وتقييم للنتائج المتحققة لتحسين فاعلية الموازنة فى تحسين الأداء والرقابة عليه ضمن الرقابة المالية. واللافت أيضاً أن هذا النظام يطبّق فى الجهات الاختبارية إجرائياً وروتينياً وليس كآلية وفلسفة جديدة للإدارة والرقابة والعمل المؤسسى. وتقوم الجهات الاختبارية المختارة بعمل موازنة تقليدية وموازنة أداء على التوازى. ولا توجد خطة لبناء قدرات القيادات والجهاز المالى فى الأجهزة المختارة فى النظام الجديد. يحتاج الأمر إذاً لأن توضع خطة زمنية محدّدة لمراحل إدخال نظام الموازنة الجديد، وبناء قدرات الأجهزة التى تطبّقه. وربما أهم ما فى الأمر أن يتم إدخال نظام إدارة الأداء المقترح فى البند السابق بالتضافر والتنسيق مع إدخال نظام موازنة الأداء والبرامج، لأنهما نظامان متكاملان ومتضافران فى إحداث طفرة تحسين فى الأداء الحكومى.

4 - استكمال وتوسيع التحول الرقمى (الإلكترونى) للخدمات. وفق ما ذكرناه تمثل مبادرة التحول الرقمى للخدمات رغم محدودية بداياتها، مجالاً حيوياً سيُحدث نقلة كبرى إذا توسّعت فى تيسير الحصول على الكثير منها وكان المستهدف تحقيق راحة المواطنين. لكن التوسّع فيها، وتحقيق فاعلية هذا التحول سيتطلب توفير مقومات أساسية. أول هذه المقومات أن يتم تبسيط واختصار دورة وزمن الإجراءات الداخلية للعمل، وكذلك الوثائق المتعلقة بالخدمة. وثانيهما إدخال نظام إدارة الأداء فى العمل الكلى الذى تقوم به الجهة. وثالث المقومات يتمثل فى تمكين المواطنين، وذلك بإدخال نظام يسمح للمواطنين بالتقييم والشكاوى مع وجود آليات للاستفادة والتعامل الفعّال مع بيانات ومؤشرات التقييم، والحسم والعلاج الفعال للشكاوى المقدّمة. وتقوم النظم المتقدمة فى العالم بالإفصاح عن هذه المؤشرات والإحصاءات المتعلقة بالتقييم، حيث يمثل الإفصاح والإعلان عن المؤشرات آلية للحفز والتنافس بين الجهات والوحدات لتحسين الأداء. ورابع المقومات يتمثل فى العلاج الحاسم للضعف الشديد لشبكة الإنترنت فى مصر. فالتحول الرقمى يتطلب شبكة قوية ذات سعة وكفاءة وسرعة عالية. وإدخال النظم الإلكترونية فى قطاع مثل التعليم يعيقه كثيراً، ويقلل من فاعليته فى الوقت الراهن ضعف شبكة الإنترنت فى مصر. وخامس المقومات، أن يتم محو الأمية الرقمية Digital Illiteracy لقطاع واسع من المجتمع، ناهيك عن محو الأمية الأبجدية لنسبة جوهرية منه. فلكى يمكن التوسّع فى الخدمات الإلكترونية ينبغى أن يتوازى مع هذا تكثيف جهود وبرامج محو الأمية لتشمل كلاً من الأمية الأبجدية والرقمية. ودون هذا ستصبح الخدمات الإلكترونية المطورة متاحة فقط لمن يستطيعون التعامل مع أدواتها وتقنياتها.

5 - إحداث تغيير شامل وجوهرى فى نظام الموارد البشرية وهيكل الأجور الحكومية. سيعنى هذا إعادة نظر شاملة فى نظام الموارد البشرية الحكومى، بما فى ذلك هيكل الأجور والحوافز، ليتوافق مع النظم الجديدة. فالنظم الجديدة لكى تنجح تحتاج إلى كوادر مؤهلة ومدرّبة ومحفّزة، ولا يتحقّق هذا فى ظل النظام التقليدى الحالى غير القادر على اجتذاب العناصر المتميزة فى سوق العمل، ولا على تحفيزها وتفعيلها والاستفادة بقدراتها وطاقاتها الكامنة. وهو أيضاً غير قادر على استبقاء هذه العناصر إذا قدر له (بالصدفة) أن يستقطبها ويوظفها. ولا بد أن يكون نظام الموارد البشرية ونظام الأجور والحوافز والنظام المؤسسى فى الحكومة عامة قادراً على تقليص والسيطرة على ممارسات الفساد المتفشية والمتغلغلة فى المؤسسات الحكومية. ولا يمكن تصور المكافحة الفعّالة والمنع الحاسم لهذه الممارسات فى ظل النظم والأوضاع المؤسسية السائدة فى الجهاز الحكومى حالياً، وعلى رأسها نظام الموارد البشرية وهيكل الأجور والحوافز. ولن يتحسّن الأداء والخدمات الحكومية طالما بقيت هذه النظم والأوضاع على حالها وبقيت مشكلة الفساد بلا تصدٍ وعلاج جذرى وحاسم لها.

6 - التحول فى ثقافة العمل والمؤسسات الحكومية للتضافر مع وإنجاح التحول المقترح فى النظم والممارسات. ربما يمثل هذا أهم تحدٍّ سيواجه إدخال النظم والممارسات المقترحة لتحسين الأداء والخدمات الحكومية. وتلعب القيم والقناعات والاتجاهات (النفسية) والأعراف والعادات السائدة دوراً مهماً فى دعم وإنجاح أى تحول مؤسسى أو مقاومته وإعاقته وإفشاله. وقد أصبحت أساليب وطرق التحول المؤسسى والتغيير الثقافى فى المؤسسات الخاصة والعامة ميداناً تخصصياً قائماً بذاته يستند إلى أسس علمية ومهنية. وهناك بيوت خبرة استشارية تساعد وتعين وتبنى قدرات المنظمات الساعية لتنمية قدراتها الكامنة وأدائها من خلال تغيير منظومتها الإنسانية والفنية وبث الحيوية فى ثقافتها وقدرتها على التغيير الفعّال. وسيحتاج التحول الثقافى لدعم النظم الجديدة برنامجاً موسعاً وممتداً وجهداً دؤوباً من قيادات المؤسسات الحكومية، مدعوماً بخبرات استشارية متخصّصة فى مجال التحول الثقافى والتنمية المؤسسية.

7 - الدعم السياسى من أعلى مستوى للاستراتيجية الجديدة بكل عناصرها. بحكم أن إدخال العناصر والنظم المعاصرة يمثل تغييرات شاملة فى نظم الإدارة الحكومية، فهو يتطلب دعماً من أعلى السلطات فى الدولة، لإنهاء حالة الجمود والتراخى والتقاعس عن تطبيق هذه النظم، وللتغلب على عوامل المقاومة لها النابعة من شبكات المصالح وجماعات التربح من النظم والأوضاع القائمة. وسيكون لهذه النظم الجديدة المعاصرة آثار إيجابية على المواطنين فى تعاملهم مع المؤسسات الحكومية. وفى المجمل، سيكون لإدخال هذه النظم نتائج إيجابية أيضاً على اقتصاديات القطاع الحكومى ككل، من حيث تكلفة الخدمات وكفاءة استخدام الموارد المخصصة لها. وسيكون الدعم والمساندة السياسية مطلوبة أيضاً فى ما يتعلق بدور أجهزة الرقابة، حيث سيتطلب التحول الاستراتيجى المذكور فى هذه الدراسة، تحولاً موازياً فى منهج ومعايير عمل أجهزة الرقابة، بالتحول إلى الرقابة على الأداء والنتائج، مع تقليص الرقابة على اللوائح والإجراءات والأنشطة.