م الآخر| فرج فوده.. رجل لم يكن يخشى الموت

م الآخر| فرج فوده.. رجل لم يكن يخشى الموت
مر أكثر من عشرون عاما على رحيل الكاتب والمفكر الدكتور فرج فود، الذى قتل على يد الإرهاب الأسود يوم التاسع من يونيو 1992، وعلى الرغم من مرور هذه السنوات على رحيله، إلا أننا نتذكر هذا الرجل الحاضر بيننا بكتبه وأفكاره، فقد ألف 13 كتاب، نذكر منهم "الإرهاب- النذير- الحقيقه الغائبه- قبل السقوط- الملعوب- نكون أو لا نكون"
كان الدكتور فرج فوده يدعو فى كتبه بكل وضوح إلى دولة مدنية تقوم على مبدأ المواطنة، وكان يواجه الإرهاب الفكرى بالكلمة والحجة والمنطق، وعندما عجز خصومه عن الرد عليه بالدليل والبرهان فقرروا أن يقتلوه بسلاح الغدر، بعد المناظره التى أجريت بينه وبين الشيخ الغزالى والمستشار مأمون الهضيبى فى معرض الكتاب عام 1992.
دائما أتذكر مقولات الراحل فرج فودة، ولكن تظل هذه المقولة عالقة فى ذهنى حين قال:"المسأله بإختصار عندما تفلس الأحزاب ويفلس السياسيون، يلعبون على المشاعر الدينية؛ لأنها المدخل السريع لمشاعر الناس وليس عقولهم، وهذا الخلط بين الدين والسياسة هو الخطر".
والعجيب أننى لو لم ألفت نظر القارئ أن هذه الكلمات قد كتبها الدكتور فرج فوده منذ أكثر من عشرون عاما، لكان ظن القارئ أنها كتب لهذا التوقيت، وهذا هو قمة الإبداع الفكرى، ودليل على بعد النظر، ووضوح الرؤيه المستقبليه للراحل فرج فوده، فكلماته صالحة لعصرنا الحالى، وربما ترسم لنا طريق المستقبل القريب.
هذا الرجل الجرئ الذى خاض معاركه الفكرية متسلحا بسلاح الكلمة، متحصنا بقوة الحجه والمنطق، ولم يتوانى فى تحذيره من خطر الإرهاب، وضرورة التصدى للفكر المتطرف.
هذا الرجل الذى تكلم عن الأزمة فى وقت سكت فيه الكثيرون، وناضل فى زمن قل فيه المناضلون، رجل واضح صريح، لا يعترف بخلط الأوراق، ولا يقبل بأنصاف الحلول.
كلماته واضحه، فكان دائما يقول أن الدين الإسلامى فى أعلى عليين، فلم تكن معركته مع الدين مثلما حاول المتشددون أن يوهمونا بذلك، فقد حاولوا أن يشوهوه ويخرجوه من الملة، وهذه هى عادتهم عندما يعجزون عن الرد بالحجه والمنطق، يسارعون باستخدام سلاح التكفير، حتى يصوروا للجميع أن مهاجمتهم للرجل تنطلق من باب الدفاع عن الدين، ولكن الحقيقة أن الدكتور فرج فوده كانت معركته مع هؤلاء الذين يستخدمون الدين لتحقيق مكاسب سياسية، وأهداف شخصية، وبكل شفافيه قال عنهم: "سيصرخون ويصرخون، وسيملأون الدنيا صراخاً، وسترتفع أصوات مكبرات صوتهم وستتضاعف، وستنفجر قنابلهم، وتفرقع رصاصاتهم، وسوف يكونون فى النهاية ضحايا كل ما يفعلون".
هكذا تحدث عنهم وحذر منهم وتنبأ بمصيرهم، ولم يخش إرهابهم، برغم أنه كان يعلم أن اسمه على قائمة إغتيالات تنظيم "الناجون من النار"، ولن أكون مبالغا إذا قلت أن فرج فوده كان يعلم أن الموت يقترب منه، بل كان يعرف أنه سوف يدفع ثمن محاولاته التنويرية، وقد أوضح ذلك فى مقدمة كتابه "نكون أو لا نكون" عندما قال: "إن ما أسجله فى هذا الكتاب شديد الأهمية فى تقديرى، لأنه يعكس واقع المعارك الفكرية التى نعيشها، وهو سجل هام للأجيال القادمة، أكثر بكثير من أهميته لجيلنا؛ لأنه وثيقة شرف لجيل اّبائهم، ولعلهم لن يصدقوا أننا كتبناه ونحن غارقون فى إتهامات التكفير، ومحاطون بسيوف الإرهاب والتهديد، ويقينا سوف يكتب البعض من الأجيال القادمة ما هو أجرأ وأكثر إستناره، ولكنه سوف يصدر فى مناخ اّخرأكثر حرية وإنطلاقا وتفتحا، ولعله من حقنا عليهم أن نذكرهم بأنهم مدينون لنا بهذا المناخ، وسوف يكتشفون عندما يقلبون أوراقنا ونحن ذكرى، أننا دفعنا الثمن".
هذا هو فرج فوده الذى دفع حياته لتحيا عقول الأجيال القادمة، وليبين لنا كيف يدافع الإنسان عن وطنه لاّخر نفس فى حياته، حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيره كان يقول: "ليعلم الله أنا ما فعلته كان من أجل الوطن"، والغريب عندما سألوا قاتله فى المحاكمة، لماذا قتلت فرج فوده؟، فرد: لإنه كافر، قالوا ومن أى كتاب له عرفت أنه كافر؟، قال أنا لم أقرأ كتبه لأننى لا أقرأ ولا أكتب.
رحل الرجل ولكنه مازال حاضرا بيننا بأفكاره ونضاله، الذى سطر من خلاله أسمى معانى الوطنية، فكتب التاريخ اسمه بحروف من نور.
رحم الله فرج فوده، شهيد الكلمة