حقوق الإنسان.. والممارسات الإعلامية الهدّامة

يعلّق المفكر الفرنسى جان دوريار على الحالة المعلوماتية التى يتّجه إليها العالم فى ظل التدافع المحموم على نشر الشائعات بقوله: «فى هذا العالم تزداد المعلومات أكثر فأكثر.. بينما يصبح المعنى الحقيقى أقل فأقل.. ستضحى التشبيهات فى المجتمع المعولم أشدّ مصداقية من الواقع ذاته... ستكون واقعاً فائقاً Hyper Reality؛ واستناداً إلى ذلك الواقع، الذى هو فى حقيقته مفبرك ومصطنع، سيُشكّل الوعى والوجدان لقطاعات كبيرة من الجمهور».

إن تلك العبارة تدق ناقوس الخطر؛ إذ تشكل مشكلة الأخبار الزائفة Fake News وتداول الشائعات أزمة عالمية، تواجهها دول كثيرة، سواء كانت فى العالم المتقدم أو فى العالم النامى؛ ومن بين أكثر وجوه تلك الأزمة تعقيداً ذلك التقاطع بين مفاهيم حرية الرأى والتعبير من جانب، واعتبارات صيانة الأمن القومى والدفاع عن تماسك الدول ومؤسساتها والسلم الأهلى من جانب آخر.

يظل هذا أحد أبرز الانشغالات الحقوقية فى كثير من الدول؛ فالدفاع عن بيئة إعلامية منفتحة تتسم بالموضوعية والدقة وإتاحة فرص التعبير عن الرأى يظل التزاماً حقوقياً، وفى المقابل، فإن جميع أدبيات حقوق الإنسان وعهودها الدولية والوطنية توجب الدفاع أيضاً عن حق الإنسان فى الحصول على معلومات سليمة وعن حقه فى الحياة والأمن والاستقرار.

فى الآونة الأخيرة تزايدت حدة مشكلة المعلومات الزائفة والشائعات المضللة فى مصر؛ وقد عكست هذه الزيادة استهدافاً منهجياً تورطت فيه دول وجماعات ومنصات إعلامية معادية، كما أسهمت بعض الممارسات الحادة والمسيئة فى مجال إعلام «السوشيال ميديا» الوطنى فى تأجيج هذه الإشكالية ومفاقمة أخطارها.

من هذا المنطلق أظهر المجلس القومى لحقوق الإنسان اهتماماً بمناقشة قضية الشائعات والأخبار الزائفة وأثرها فى الأمن القومى واستقرار الدولة والثقة فى مؤسساتها الدستورية؛ عبر نقاش استهدف الوصول إلى آليات وقواعد مهنية وحقوقية تحمى بيئة المعلومات والإعلام، وتصون حقوق المواطنين فى حرية الرأى والتعبير وفى سلامة المعلومات ودقتها، بما يُعزّز مبادئ الشفافية ويكفل الاستقرار ويحمى الثقة العمومية على أسس موضوعية وعادلة.

وبين جملة من النشاطات البحثية والميدانية التى تستهدف مقاربة هذا الموضوع الخطير، نظم المجلس القومى لحقوق الإنسان، ندوة «حقوق الإنسان والممارسات الإعلامية الهدّامة»، يوم الأربعاء الماضى، وهى الندوة التى حظيت بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والمهنيين البارزين، الذين عرضوا جوانب تلك القضية، واقترحوا حلولاً عملية للتعامل معها، عبر أوراق علمية رصينة.

فى مستهل تلك الندوة، جاءت كلمة الافتتاح التى ألقاها الأستاذ محمد فايق، رئيس المجلس، لترسى معالم النقاش وتحدّد مساراته وتبرز أهميته؛ إذ أكد أن وباء «كورونا» لم يكن هو الوباء الوحيد الذى ضرب العالم فى الشهور الأخيرة، لكن بموازاة هذا الوباء ظهر للأسف الشديد وباء جديد، وقد أطلقت بعض الدول والمؤسسات الدولية المرموقة، ومنها الأمم المتحدة، على هذا الوباء لقب «وباء معلوماتى» Infodemic.

يبدو إذاً، كما يقول الأستاذ فايق، أن العالم يواجه فى هذه الأوقات جائحتين إحداهما جائحة مرضية وثانيتهما جائحة معلوماتية، وما يثير الدهشة حقاً، ويعزّز أهمية تلك الندوة وغيرها من الفعاليات المماثلة، أن مسئولين تنفيذيين كباراً فى أكثر من دولة أكدوا أن الخسائر البشرية والمادية التى منيت بها دولهم جراء هذا الوباء المعلوماتى كانت لا تقل عن تلك التى تكبّدتها بسبب جائحة «كورونا».

وربما يتأكد هذا المنحى من خلال واقعة حدثت فى إيران قبل ستة شهور فى فورة الجائحة الأولى، حين توفى أكثر من 400 إيرانى جراء خبر زائف انتشر على منصات التواصل الاجتماعى، وهو الخبر الذى أفاد بأن تناول الكحول الإيثيلى يمكن أن يحمى من هجمات الفيروس، ليتبين لاحقاً أن ضحايا هذا الخبر فاقوا فى عددهم ضحايا «كورونا» فى تلك الفترة.

وقد أكد الأستاذ فايق فى كلمته أن المجال الإعلامى العالمى والإقليمى والوطنى تغير تغيراً فارقاً فى العقدين الأخيرين، وهو تغير أثمر فرصاً ومزايا كبيرة، وعزّز الأنشطة الإنسانية، وخدم قضايا التنمية وحقوق الإنسان، لكن فى المقابل فإن هذا التطور، وعبر مزاوجة فريدة بين ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وآليات الذكاء الاصطناعى، فرض علينا تحديات خطيرة، وخلق ما يمكن تشبيهه بواقع جديد زادت درجة التزييف والتضليل والاصطناع فيه.

لذلك فقد أكد أن قدرة الدولة على صيانة مجال الحريات العامة بوصفها مجالاً جوهرياً ضمن مجالات حقوق الإنسان تُعد مسئولية والتزاماً ضروريين، كما أن قدرتها على صيانة أمنها القومى تعد التزاماً أساسياً بوصفه وظيفتها الأولى، وهو الأمر الذى يفرض تحديات كبيرة، أهمها إيجاد هذا التوازن المطلوب بين حرية الرأى والتعبير من جهة، وحماية الأمن القومى والسلام الاجتماعى من جهة أخرى.

والواقع أن هذا التوازن المطلوب الوصول إليه يُعد انشغالاً رئيسياً ضمن انشغالات المجلس القومى لحقوق الإنسان، وقد سعى المجلس عبر لجانه المختلفة وآليات عمله المتنوعة، إلى معالجة تلك القضايا، من خلال عدد من المشروعات والتقارير والأنشطة الميدانية.

وقد حظيت الندوة بورقة عمل مهمة قدمها الدكتور محمود علم الدين أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، وهى الورقة التى استعرضت هذا التقاطع بين مفهوم الأمن القومى، ومفهوم حرية الرأى والتعبير، حيث أرسى عدداً من المبادئ التى يمكن من خلالها صيانة التوازن المطلوب.

وقدمت الدكتورة نرمين خضر ورقة أصلت فيها لمفهوم الشائعة والخبر الزائف، وعرض الباحث خالد البرماوى المشهد الإعلامى الراهن على وسائط التواصل الاجتماعى، ورصد ما به من تجاوزات ومشاهد انفلات، بينما خصصت الدكتورة إنجى أبوالعز ورقتها لرصد آليات عمل المنصات الإعلامية التقليدية المشبوهة والمغرضة التى تستهدف الداخل المصرى.

وعبر تعقيبات مميزة وعميقة من الدكتور حسين أمين، والدكتورة نيفين مسعد، والدكتور طارق سعدة، والدكتور سامى الشريف، اكتملت ملامح الصورة، لتخلص الندوة إلى مجموعة من التوصيات؛ من أهمها ضرورة تعزيز الشفافية والانفتاح فى البيئة الإعلامية المصرية، بما يعزز صلابتها ويقوى مناعتها أمام الاستهدافات المغرضة والمسيئة.

كما طالبت الندوة بضرورة العمل على تعزيز مهارات الصحفيين والإعلاميين المصريين عبر برامج تدريب مركزة، إضافة إلى إيلاء الاهتمام بمفهوم «التربية الإعلامية»، الذى يمكن من خلاله ترقية قدرات المواطنين على تلقى الأخبار واستخدام المحتوى الإعلامى والتفاعل معه.