الذهب الدولار..من سيربح في اختبارات الصمود 2020؟!

الذهب الدولار..من سيربح في اختبارات الصمود 2020؟!
عادة ما تتجه أنظار المستثمرين والاقتصاديين إلى مؤشرات الدولار والذهب فى خضمّ الأزمات التى يمر بها العالم، حيث تُعتبر هذه المؤشرات بمثابة مرآة تعكس الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، حيث يعبّر الدولار عن حالة الأداء المالى عالمياً باعتباره العملة الأولى التى تتم من خلالها معظم المعاملات حول العالم، كما يعكس السياسات النقدية للبنوك المركزية، وتوجهات الحكومات التحفيزية فى أوقات الأزمات.
وعلى الجانب الآخر، تتأثر مؤشرات الذهب كمتغير تابع للأحداث الاقتصادية التى يشهدها العالم، فضلاً عن حساسية المعدن الأصفر تجاه مؤشرات الدولار، حيث عادة ما تربطهما علاقة عكسية، خاصة مع تخلى الولايات المتحدة صاحبة العملة الخضراء عن الذهب كمعيار للعملة، والاعتماد على العملة الورقية بشكل مطلق منذ عام 1971، والذى انعكس على تراجع قيمة الدولار بأكثر من 98% منذ ذلك الحين.
وظهرت هذه المعادلة جلياً مع انتشار جائحة كورونا مطلع العام الجارى، حيث انخفضت العملة بنحو 25% منذ بداية 2020، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب، وذلك فى ظل مستويات غير مسبوقة من التحفيز العالمى لتخفيف أثر الضربة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة.
الملاذ الآمن
وأوضح تقرير نشرته «Visual Capitalist» أن المعادن الثمينة دائماً ما تلعب دور الملاذ الآمن فى أوقات الأزمات، كما أنها تحد من الخسائر خلال اضطرابات السوق، حيث تقوم الحكومات فى هذه الأوقات بعمل حزم تحفيزية واسعة، وقد تضطر خلالها إلى طباعة النقود، وبالتالى تؤثر على معدلات التضخم، ومن ثم تظهر المعادن النادرة كمخزن للقيمة.
وأضاف التقرير أن البنوك المركزية سنّت العديد من الإجراءات للمساعدة فى دعم الاقتصادات، بما فى ذلك إصدار عملة جديدة، استجابة للوباء العالمى، مما أسفر عن زيادة المعروض النقدى العالمى بأكثر من 11.8 تريليون دولار فى النصف الأول من عام 2020، وبالتالى كانت قيمة العملة المطبوعة أعلى بـ1600 مرة من قيمة العملات الذهبية المسكوكة خلال الفترة نفسها.
موجة "كورونا" الثانية والانتخابات الأمريكية ترجّحان كفة الذهب أمام الدولار.. و"جي بي مورجان": وصول الديمقراطيين للبيت الأبيض سيرفع أسعار المعدن الأصفر 5%
وعلى هذا الأساس يمكن للمحللين والمستثمرين قراءة المشهد الاقتصادى من خلال متابعة مؤشرات الدولار مقابل الذهب، واتخاذها ضمن محدداتهم لاتخاذ القرارات الاستثمارية، خاصة مع بداية الموجة الثانية من جائحة كورونا، والترقب الذى يسيطر على العالم نتيجة الانتخابات الأمريكية بين ترامب وبايدن.
ويرى إسلام ثابت، عضو شعبة المشغولات الذهبية بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن المعدن الأصفر أصبح عاملاً رئيسياً للحفاظ على توازن اقتصاديات الدول بالتزامن مع الأزمات، وهو ما ظهر جلياً فى معدلات النمو الكبيرة لسعر الذهب خلال السنوات الأخيرة، ومع تسارع وتيرة الدورات الاقتصادية فى الآونة الأخيرة مقارنة بالعقود الماضية، بات الذهب ملاذاً آمناً يتجه إليه المستثمرون والدول كمخزن للقيمة والتحوط من مخاطر هذه الأزمات.
وأوضح أن الربع الأخير من العام يواجه العديد من الأزمات التى قد تنعكس على إقبال المستثمرين والدول للاستثمار فى الذهب، والتى تتمثل فى موجة ثانية من جائحة كورونا التى ضربت العالم أجمع وبدأت تنتشر مؤخراً فى الدول الأوروبية، مما سيؤثر بشكل مباشر على سعر الذهب بشكل كبير خلال الفترة القادمة.
وعلى المستوى المحلى، يتوقع «ثابت» أن يتعدى سعر الذهب حاجز الـ1000 جنيه للجرام قبل نهاية 2020، مشيراً إلى أنه على الدولة أن تُبقى على الإنتاج المحلى من الذهب كاحتياطى استراتيجى بهدف دعم العملة المحلية فى مواجهة الأزمات العالمية المتوقعة، وخفض التأثيرات التى قد يتعرض لها الاقتصاد المحلى إثر اضطراب النظام المالى العالمى.
الانتخابات الأمريكية وحالة عدم التأكد
ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة نوعاً من الاضطرابات التى تصاحب الانتخابات الأمريكية وحالة عدم التأكد نتيجة ضبابية السياسات الأمريكية فى هذه الفترة، الأمر الذى قد يرجّح كفة الذهب كمخزن للقيمة على الدولار الذى يعكس الوضع المالى والاستثمارى فى الاقتصاد العالمى.
وفى هذا الصدد قال ناتاشا كانيفا، محلل المعادن فى بنك الاستثمار «جى بى مورجان»، إن أسعار الذهب يمكن أن تقفز بما يصل إلى 5% فى «الموجة الزرقاء» للديمقراطيين ومرشحهم الرئاسى جو بايدن فى انتخابات الشهر المقبل، حيث يتوقعون أن يؤدى اكتساح الديمقراطيين إلى ارتفاع أسعار الذهب بنسبة تتراوح بين 2% و5%، وذلك على خلفية تحرك تجاه ضعف الدولار الأمريكى.
وأوضح محلل «جى بى مورجان» أنه مع وصول بايدن لرئاسة البيت الأبيض، فإن ذلك سيؤدى إلى ارتفاع حاد فى أسعار الذهب نتيجة الإنفاق التحفيزى الحكومى المتوقع بهدف تعزيز النمو.
وشهد سعر الذهب ارتفاعاً بنحو 25.6% منذ بداية العام وحتى تعاملات أمس الأول الجمعة 16 أكتوبر، حيث ارتفع مؤشر الذهب من 1521.26 دولار للأوقية مع بداية العام، ليصل إلى 1909 دولارات للأوقية خلال تعاملات أمس الأول، وحقق الذهب أعلى معدل له يوم 6 أغسطس عند مستوى 2066.31 دولار للأوقية، بينما وصل لأدنى مستوى له يوم 19 مارس عند 1469.18 دولار للأوقية.
نشاط الاقتصاد المصري وسياسات الحكومة يدفعان المؤسسات والأفراد إلى الاستثمار على حساب "شراء الذهب"
الاستثمار أم الادخار
كشفت بعض الحكومات، وعلى رأسها الحكومة المصرية، عن نواياها حول اتباع إجراءات احترازية على أعلى مستوى فى سبيل استبعاد قرار الإغلاق خلال الموجة الثانية من جائحة كورونا التى بدأت بالفعل فى عدد من الدول الأوروبية، ويتزامن ذلك مع السياسات التحفيزية التى تقوم بها الدولة لتنشيط حركة الاقتصاد مرة أخرى، الأمر الذى انعكس بشكل إيجابى على توقعات النمو العالمية تجاه الاقتصاد المصرى، حيث رفع صندوق النقد الدولى تقديراته لنمو الاقتصاد المصرى إلى 3.5% بدلاً من 2%، موضحاً أن مصر هى الدولة الوحيدة بين اقتصادات الدول الناشئة والنامية التى ستحقق معدل نمو إيجابياً خلال العام الجارى.
بالنظر لهذه المحددات الهامة فى معادلة الادخار والاستثمار، هل يتجه المستثمرون إلى الذهب كمخزن للقيمة، أم يتجهون لضخ أموالهم فى المزيد من الاستثمارات المدعومة بحزم تحفيزية من الدولة، وتحافظ على قيمتها معدلات التضخم المتراجعة؟
تعكس تقديرات صندوق النقد الدولى، التى أعلن عنها خلال الأسبوع الماضى، الوضع المستقر لأداء الاقتصاد المصرى، حيث قام الصندوق برفع توقعاته لنمو الناتج المحلى الإجمالى لمصر إلى 3.5% لهذا العام، مقابل توقعاته السابقة عند 2% فى تقرير شهر يونيو، كما يتوقع زيادة الإنتاج إلى 5.8% بحلول عام 2025.
وأوضح تقرير الصندوق أن مصر ستكون واحداً من الاقتصادات الثلاثة الوحيدة فى منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى التى لن تدخل منطقة الانكماش هذا العام، لذا تشير الأوضاع الحالية والتوقعات الدولية والمحلية إلى استمرار عجلة الاقتصاد المصرى دون تأثر كبير جرّاء الاضطرابات العالمية من الموجة الثانية لفيروس كورونا بجانب الانتخابات الأمريكية.
وبالتزامن مع السياسات التوسعية التى ينتهجها البنك المركزى، فى ظل معدلات التضخم المنخفضة، يتزايد حجم المحفزات لقيام المستثمرين بضخ مزيد من استثماراتهم فى السوق، خاصة مع دعم الحكومة الذى يستهدف زيادة معدلات الاستهلاك لتسريع وتيرة الاقتصاد المحلى.