حين فازت مصر قبل نصر أكتوبر
حرب الاستنزاف التى انتصرت فيها مصر، لا بد أن نتحدث عنها دوماً ونكرر حديثنا، ونفخر بها طوال الوقت.. الهدف الاستراتيجى العام لمثل هذه الحروب هو القضاء التدريجى على قدرات العدو وإمكاناته إلى أن يخسر قوته الضاربة، والأهم من ذلك أن يفقد ثقته فى نفسه، ويكون من السهل اصطياده، وكانت حرب الاستنزاف التى خاضها الجيش المصرى العظيم عقب نكسة 67، هى إحدى أنجح الحروب فى تاريخ العسكرية المصرية، وهى أول هزيمة حقيقية للجيش الإسرائيلى.
الأول من يوليو عام 67، بعد النكسة بثلاثة أسابيع، انتصرت مصر فى معركة «رأس العش».. ثلاثون بطلاً من قوات الصاعقة ومعهم أسلحة خفيفة، تصدوا بنجاح مدهش لعشر دبابات إسرائيلية مدعمة بقوة مشاة ميكانيكية فى عربات نصف مجنزرة.. ولم تجرؤ إسرائيل على معاودة المحاولة حتى نهاية الصراع المسلح.
فى عام ١٩٧١، أعلن الجنرال الإسرائيلى «ماتيتياهو بيليد» أن طريقة إدارة «موشيه ديان» للأمور أدت إلى «هزيمة» إسرائيل فى حرب الاستنزاف.. ونقرأ ما قاله فى كتاب «وتحطمت الأسطورة عند الظهر» للأستاذ الكبير الراحل «أحمد بهاء الدين»، وفيه يقول هذا الجنرال: «من الوجهة العسكرية فشل الجيش الإسرائيلى فى حرب الاستنزاف، لدرجة أننا فى إسرائيل أسرعنا إلى التشبث بأول قشة ألقيت إلينا وهى وقف إطلاق النار».. ويوضح الرجل سبب كلامه عن تلك الهزيمة، فيقول: «نحن لم ننجح فى إسقاط جمال عبدالناصر عن طريق قصف العمق المصرى، كما أننا فقدنا سيطرتنا على الأجواء المصرية، وفشلنا فى منع الروس من زيادة التزامهم بتسليح مصر ومساعدتها فى الدفاع عن نفسها.. وأخفقنا فى التوصل إلى إيقاف إطلاق نار نهائى وحاسم».
الكاتب الأمريكى «برينت ستيرلينج»، الأستاذ بجامعة «جورج تاون» الأمريكية، فى كتابه: «هل تصنع الأسوار الجيدة جيراناً جيدين؟»، يقدم اعترافاً واضحاً بهزيمة الدولة العبرية فى حرب الاستنزاف.. يقدم لنا الكاتب مسحاً تاريخياً أفقياً عن الحصون والأسوار عبر التاريخ، من أسوار «طروادة» الحصينة التى سقطت بخدعة الحصان الشهير، ومروراً بخط «ماجينو» الذى التفت حوله قوات ألمانيا النازية وكأنه معلم سياحى، ووصولاً إلى «خط بارليف» الذى حطمته القوات المصرية فى ملحمتها الخالدة.
يقول الكاتب: «كانت القاهرة ترى خط بارليف عائقاً يجب تحييده والتغلب عليه قبل عبور الجيش المصرى إلى سيناء، وكانت النقاط الحصينة تمثل أهدافاً وتحدياً للمصريين، لإيلام القوات الإسرائيلية.. وفى أوائل مارس صبت نيران ألف مدفع حممها على طول القناة، وكان هذا أول اختبار للحصون، التى عانت من إصابات متوسطة».
يتحدث الكاتب كذلك عن الهجمات الشرسة للجيش المصرى لمدة ستة عشر شهراً، وإرسال قوات خاصة، بالقرب من الإسماعيلية، وهى العملية التى مثلت بداية للعبور الليلى وتلغيم الطرق ومهاجمة النقاط القوية.
كان رأى «موشيه ديان» هو أن يسحب قواته من النقاط الحصينة التى يتكرر الهجوم عليها، لكنه لم يفعل فى النهاية. وكان الحل أن ضربت إسرائيل العمق المصرى، وكان الأمر فى حقيقته محاولة لضرب «جمال عبدالناصر» الذى التف الناس حوله أكثر.
يتعرض الوطن الآن لمحاولات لاستنزافه عبر قوى الشر التى لفظها الشعب المصرى، وهى تسعى طوال الوقت لضرب معنويات الناس وإفقادهم الثقة فى قيادتهم، وتحاول أن ترهق الدولة عبر الدخول فى حالة استعداد دائمة للمواجهة، وهى أمور تستلزم منا قدراً أكبر من الثقة بالنفس والثبات الانفعالى، واليقظة الدائمة ولكن دون الانجرار إلى ما يريدونه لنا.. استنزاف قوتنا.