نصر أكتوبر في المواجهة

يحتل نصر أكتوبر فى الذاكرة المصرية والعربية، بل والعالمية، مكانة كبيرة نظراً لما أحدثه من تغيرات على أوضاع استقرت فى المنطقة، وما أحدثه من زلزال فى نظريات الحرب الحديثة، والحديث عن أثر نصر أكتوبر يحتاج إلى مجلدات لإيضاح ذلك.

ويؤثر على الاحتفال بنصر أكتوبر كل عام وإظهار مكانته والتضحيات التى قدمها الشعب المصرى وقواته المسلحة والمعجزات التى حدثت فيه ما يشهده الوضع العام فى مصر من أحداث، وكثيراً ما نرى مظاهر حاشدة للاحتفال، وأحياناً يتم الاحتفال به على أضيق نطاق رغم ثبات بعض المراسم مثل وضع رئيس الجمهورية الزهور على قبر الجندى المجهول، وخطابه للأمة، واجتماعه مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومنذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى قيادة قواتنا المسلحة، ثم قيادة البلاد، يقوم جيشنا بتنظيم ندوة تثقيفية فى هذا اليوم لإظهار بعض الجوانب التى تؤرّخ لهذا النصر، وقد أحدثت هذه الندوات أثراً كبيراً فى المحافظة على قيمة النصر فى نفوس الكثيرين.

إلا أننا فى هذا العام ومع انتشار تأثير مواقع التواصل الاجتماعى شاهدنا وبكثافة بجاحة للعدو الإسرائيلى للتقليل من هذا النصر، بل وتحويله لهزيمة لمصر والعرب، ووجدنا أن كبار المسئولين فى إسرائيل يوجهون خطابات حماسية لشعبهم ويذكرون فيها (بطولات جيشهم المغتصب) الذى احتل أرضنا وارتكب فيها كل ما هو ضد الإنسانية، ولو أن هناك عدالة فى المجتمع الدولى وفتحنا ملف الحساب لهذه الدولة المعتدية والمغتصبة لدفعت ثمناً باهظاً لن تقوم لها قائمة بعده.

والغريب أننا وجدنا ضعفاً فى الخطاب الإعلامى المتعلق بنصر أكتوبر، بل وجدناه وقد انجذب لمناطق أخرى فى محاربة جماعات التطرف والإرهاب والتى لعبت فى حربها مع الدولة المصرية على فكرة الطعن والتقليل من مكانة نصر أكتوبر واعتباره كأن لم يكن، معتقدة هذه الجماعات أنها توجه ضربة كبيرة إلى قواتنا المسلحة التى حققت النصر وحفظت الأرض والعرض طوال تاريخها، وأن هذا، من وجهة نظر هذه الجماعات، سيطعن فى شرعية ما أسسه الشعب بعد ثورته فى 30 يونيو والتشكيك فى الرئيس عبدالفتاح السيسى، وبدلاً من اهتمام الإعلام بنصر أكتوبر وأثره فى الهوية المصرية انساق وراء فكرة التأييد لرئيس الدولة كرد على قوى الإرهاب والتطرف، تاركاً مساحة كبيرة مكشوفة للطعن فى نصر أكتوبر.

بل وانشغل البعض فى الإعلام المصرى بجدل بيزنطى عن علاقة «عبدالناصر» بهزيمة 5 يونيو 1967 ونصر أكتوبر 1973، بل وانغمس بعضهم أكثر فى فترة «عبدالناصر» كاملة، وتُركت الساحة كاملة فى هذا اليوم العظيم للمتآمرين على هوية الأمة يبثون السموم والأكاذيب للتأثير عليها ومحاولة إضعاف ارتباطها بهذا النصر باعتباره كأن لم يكن.

وتركت بعض مؤسسات الإعلام المصرى، بل وبعض مؤسسات الدولة المعنية بالهوية المصرية، مثل وزارات الثقافة والإعلام والشباب والرياضة، الساحة للإعلام الإسرائيلى الذى ظهر جلياً أن هناك تحالفاً خفياً بينه وبين جماعات الإرهاب والتطرف للطعن فى نصر أكتوبر، وقد بدا أن الذاكرة المصرية فى حالة انكشاف خطيرة، لاستخدام هذين العدوين وسائل التأثير المتعددة على العقل البشرى.

إن خطورة ضعف الخطاب الإعلامى المصرى فى مواجهة الخطاب الإعلامى الإسرائيلى وإعلام الجماعات المتطرفة تجاه نصر أكتوبر. الذى هو إحدى ركائز الهوية المصرية، يمثل خطراً داهماً على الذاكرة الوطنية للأجيال التى لم تعاصر نصر أكتوبر، ويهز هويتها بعنف، ويضعف ارتباطها بالوطن وتضحيات رجاله عبر التاريخ، وسينسحب ذلك على ركائز كبيرة فى تاريخنا كله منذ أقدم العصور، والنتيجة الحتمية لذلك ستؤدى إلى إعادة تركيب الشخصية المصرية وإنتاج أجيال متشبعة بأفكار وتصورات خاطئة عن كل منجزات الوطن سواء أكانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية، وبالتالى سوف يتلاشى الارتباط بالوطن فى نفوس هذه الأجيال، وتصبح علاقتهم به علاقة قائمة على انتهاز الفرص والاستغلال، إذا ما توافرت لهم فى مكان آخر انتقلوا إليه دون اكتراث، وإذا ما حانت الفرصة للتضحية به وخيانته انتهزوها دون تردد.

إننا فى حاجة ماسة إلى التعامل مع نصر أكتوبر بما يتفق مع جلال الحدث ومكانته، وما حدث أيضاً من تطور كبير فى وسائل الإعلام فى السنوات الماضية، وضرورة استخدام كل الوسائل المتاحة والتكنولوجيا الحديثة وبوسائل غير تقليدية لإعادة نصر أكتوبر فى مقدمة الصفوف، ومصر لديها ذخيرة معلوماتية كبيرة عن هذا النصر وتستطيع جميع مؤسسات الدولة استخدامها لإظهار ما قام به الشعب المصرى وقواته المسلحة من بطولات على جميع الأصعدة.

إن حاجة الأجيال الجديدة للوعى والمعرفة تفرض على الجميع العمل فى هذا الملف بكل جدية واهتمام، وليكن باقى أيام شهر النصر محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والاستعداد للعام القادم، ولعلنا فى حاجة إلى أن تقود قواتنا المسلحة هذا الملف، فكما قادت نصر أكتوبر فإنها تستطيع أن تنجز بكل قوة ملف حماية هذا النصر من أن يُختطف أو يُفكك أو يتم تذويبه من الذاكرة المصرية والعالمية.

إننا فى حاجة إلى الحفاظ على هذا النصر فى ذاكرة أجيالنا، بل وفى ذاكرة أجيال الدول الأخرى، إن هذا نداء لرئيسنا الرئيس عبدالفتاح السيسى، ابن هذا الشعب وهذا القوات المنصورة دائماً بإذن الله، لوضع هذا النصر فى مكانته الحقيقية فى ظل الحرب الشرسة عليه باستخدام كل الوسائل.

إننا أمام حالة خطر داهم ودق ناقوس الخطر ليس كافياً، وصراعنا مع مشاكلنا الداخلية والخارجية يجب ألا ينسينا قضية هويتنا وارتباطنا بالوطن ومنجزاته وإعداد الأجيال الجديدة للمحافظة والتضحية بكل ما هو غالٍ ونفيس لتحيا بلادنا عزيزة مصانة.

حفظ الله الوطن، وحفظ قواته المسلحة وكل منجزاتها.