"بواقي قوم عند قوم جواكيت".. مشغل ريفيات يصنع ملابس من قصاصات الأقمشة

كتب: سمر صالح

"بواقي قوم عند قوم جواكيت".. مشغل ريفيات يصنع ملابس من قصاصات الأقمشة

"بواقي قوم عند قوم جواكيت".. مشغل ريفيات يصنع ملابس من قصاصات الأقمشة

عقار تحمل واجهته لافتة كبيرة باسم"جمعية الرائدات الريفيات" بشارع مصطفى أبو عوف بقرية "بشتيل" التابعة لمحافظة الجيزة، بات وجهة يتردد إليها سيدات المنطقة  لكل واحدة منهن حكاية خاصة، جئن من أنحاء القرية التي يفترش أرضها بائعو الخضار والفاكهة، بحثًا عن حرفة تكسب منها قوت يومها، عالم الخياطة والتطريز شغفهن حبًا فأبدعن في حياكة ملابس من "العدم" بثمن زهيد، في نهاية كل يوم ينتجن بضاعة متراصة في خزانة المشغل في انتظار المشترين لها.

نوافذ الطابق الأخير من العقار يصدح منها صوت ماكينات الخياطة المتراصة إلى جنبها البعض، يختلط بأصوات الباعة الجائلين في الشارع ليكسر معه مشهد الصمت الذي كان يعهده سكان العقارات المجاورة للمكان، سيدات في أعمار مختلفة يجلسن خلف ماكينات لاتتوقف تروسها عن العمل، يبدعن في حياكة"جواكيت" شتوية للأطفال من بواقي أقمشة المصانع وقصاصات القماش الملقاة وسط أكوام القمامة، بعد عملية تنظيف وتعقيم أعادت لها رونقها.

سعيدة: الفكرة هدفها الحفاظ على البيئة ودعم المرأة المعيلة

يقصر الخيال أحيانا حتى العقول المشهود لها بالذكاء تفوتها أكثر الأشياء بديهية في أوقات ما، إلا أن خيال سعيدة محمود، مشرفة الرائدات الريفيات والمثقفات بمديرية الشؤون الصحية بالجيزة، تجاوز بها حد التوقع وكسرت به حاجز المألوف، كيف بدا لها تحويل القماش المٌلقى وسط أكوام القمامة أمرا سهلا رغم محاولات البعض دحض الفكرة،"في يوم لقيت راجل معدي على عربية كارو شايل أكوام بواقي قماش من المصانع رايح يرميه في مقلب الزبالة" فاشتعلت شرارة الفكرة في رأسها، ما العائق في إعادة تدوير تلك البواقي المهملة والاستفادة منها في تصنيع منتجات جديدة بأسعار قليلة لدعم أسر بشتيل البسيطة، تقول سعيدة في بداية حديثها لـ"الوطن".

نظرات استغراب وتعجب شديد بدت على ملامح كل من عرضت عليه فكرتها في بداية الأمر، لم تعير لها سعيدة بالا، خصصت الطابق الأخير من مقر الجمعية كمشغل لدعم المرأة المعيلة دعمها فيه المجلس القومي للمرأة بماكينات خياطة حديثة،"كنت عايزة ألاقي فرص شغل للستات المكافحة اللي ظروفهم صعبة وبيجروا على رزق ولادهم".

أيام معدودات مضت حتى ذاع صيت المشغل وتوالت عليه سيدات"بشتيل" للعمل، وطأة القدم الأولى للساحة الخارجية بالمكان تشي بما داخل الغرفات المتجاورة، أكوام من القماش المعاد تدويره بعد جمعه من وسط المخلفات تتناثر يمينًا ويسارًا بالمكان في انتظار تحويلها إلى ملابس لا تقل جودتها عن تلك المعروضة خلف زجاج المحلات.

بأطراف أصابعها باتت أحلام محمد، بارعة في "لضم الإبرة" في ثوان قليلة تجلس على كرسيها ومن حولها النساء للاستفادة من خبرتها في الخياطة، كانت أول من جاء إلى المكان قبل سنوات قليلة وتدرب على يديها العشرات حتى احترفن المهنة منها، تقول في بداية حديثها خلال زيارة "الوطن" للمشغل التابع للجمعية النسوية.

أحلام: المقاس الصغير بنبيعه بـ 40 جنيه، والكبير ممكن يوصل لـ 50 أو 60 جنيه تقريبا

لحظات انتباه شديد تسيطر على السيدة الأربعينية، التي تركت وخزات إبرة الخياطة المؤلمة أثارًا على أصابعها، لتنسيق الألوان معًا، تختار كل لون بعناية تجمع أجزاء الظهر والصدر بأطوال متطابقة وتضع لمساتها الفنية على الياقة بتطريزها بقطع فرو ،إن وجدت، فيخرج من بين يديها معطف شتوي ثقيل بمقاسات مختلفة،"بنتهم بتعقيم القماش كويس وبنحرص على جودة المنتج".

ساعة ونصف تقريبا هي المدة التي تستغرقها أحلام لحياكة الجاكيت الواحد لضمان تدفئة أعلى في أيام الشتاء الباردة لأطفال الأسر البسيطة، سعرها لا يقارن بالجاهز المعروض في المحلات، "المقاس الصغير بنبيعه بـ 40 جنيه، والكبير ممكن يوصل لـ 50 أو 60 جنيه تقريبا"، بحسب قولها.

حياة: زوجي أرزقي وجئت لتعلم الخياطة ومساعدته في مصاريف البيت

محاولة جديدة في طريق البحث عن الرزق، توسمت فيها حياة جمعة، أحد سيدات بشتيل، خيرا، طرقت ذات يوم باب المشغل تسأل على استحياء إن كان لها مكانًا للعمل لتساعد زوجها الأرزقي في مصاريف البيت التي يعجز أحيانا كثيرة عن سدها،" مكنتش بعرف أخيط بس عايزة أتعلم عشان أساعد جوزي وأصرف على تعليم ولادي ومخليش نفسهم في حاجة"، تقول الأم التي بدت ملامح الشقاء على وجهها في بداية حديثها لـ"الوطن".

فور حصولها على إجابة بالموافقة ابتلعت بها ريقها، اتجهت السيدة الثلاثينية الأم لطفلين، إلى الجهة المختصة لاستخراج أوراق التعيين بالمشغل، راهنت نفسها على النجاح في مهنة لم تعلم عنها شئ من قبل،"علموني الخياطة واتطورت وبقيت بكسب قوت عيالي"، ليتحقق بذلك حلم"سعيدة" مشرفة المكان في دعم المرأة المعيلة.

دواليب المشغل ممتلئة بمنتجات آخرى من صنع نساء بشتيل بخلاف جواكيت الشتاء ذات المقاسات المختلفة للأطفال، ملايات أسرة ملونة ومفارش مطرزة ومخدات صغيرة تستخدم لتزيين المقاعد، يُعرض بعضها في معارض شهرية برعاية "القومي للمرأة"وأخرون متراصون في الأرفف في انتظار زبائنه من العرائس الأيتام والأسر البسيطة،مشهد اختصرته المشرفة"سعيدة" بقولها،:"محتاجين تسويق ودعم عشان شغلنا يتباع"، لتعلن بصوت فخور نجاح فكرتها ذات الفائدتين، الحفاظ على البيئة من المخلفات وتشغيل المرأة المعيلة.


مواضيع متعلقة