أتردد على البيت مراراً.. سلاح القيم بين أمريكا والصين

لاقت أغنية صينية بعنوان «أتردّد على البيت مراراً» شهرة واسعة. إنها تتحدث عن قيم العائلة، حيث يجب التردّد على البيت كثيراً من أجل زيارة الوالدين. ومهما تكن انشغالاتك وزحام حياتك.. فإن زيارة والديك شىء أساسى يجب ألا تنشغل عنه.

يقول الكاتب الصينى «تشانغ وى وى» إن الأغنية نجحت بسرعة، لأنها تتضمن قيمة عظيمة فى الثقافة الصينية وهى: برّ الوالدين.

يرى كثيرون فى النخبة الصينية أن القيم الإنسانية تمثل أساس المجتمع والدولة فى الصين، فى حين أنها لا تمثل الكثير فى النموذج الغربى. بينما يرى كثيرون فى النخبة الأمريكية أن الصين لا تمتلك نموذجاً للقيم، وأنها قامت ببناء قوتها باستخدام مزيج من السطو على التكنولوجيا، والخداع الاقتصادى، ثم إنها بعد أن نهضت لا تريد أن تتحمّل أعباء إنسانية فى العالم. وهى لم تدفع للدول الفقيرة والمؤسسات الدولية بما يناسب حجم اقتصادها، تحت دعوى كاذبة أنها لا تزال دولة نامية.

ولقد جاء اتهام الغرب للصين بضعف المساهمة فى منظمة الصحة العالمية، ثم اتهام الرئيس ترامب لها بتوجيه المنظمة والتدخل فى عملها.. نموذجاً لذلك الاستخدام لسلاح القيم فى الحرب الباردة الأمريكية - الصينية.

لقد عرض كتاب «الزلزال الصينى» لمؤلفه «تشانغ وى وى» رؤية الصين لقيمها وقيم الآخرين. وهو كتاب هجومى حادّ، لا يسلك النهج التقليدى فى الدفاع عن النموذج الصينى، بل يذهب إلى النيل من النموذج الغربى ومحاولة تعريته وتفكيكه.

لا يحتاج النموذج الغربى الذى يقوم على الحرية والديمقراطية وعلى المبادئ الليبرالية.. إلى تقديم، ذلك أنّه يلح على تقديم نفسه على مدار الساعة. وقد ارتأيتُ تقديم رؤية الصين لنموذجها، حتى يتسنى الاطلاع على تلك الساحة الجديدة من المعركة -استناداً لكتاب «وى»- ساحة القيم.

أولاً: الإصلاح الفكرى فى الصين

قامت الصين بعمل «إصلاح فكرى» بالتوازى مع الإصلاح الاقتصادى. ولم تكن تجربة الصين المعاصرة التى أطلقها الزعيم «دينج شياو بينج» مجرد تطور اقتصادى من دون ظهير فكرى.

تضمن الإصلاح الفكرى فى الصين: إلغاء فكرة «صراع الطبقات» وحثّ المواطن الصينى على السعى لتحقيق مصالحه الخاصة. كما تضمن إلغاء نظام «الكميون» الشعبى «البلديات فى النظام الشيوعى» والتى أفقرت الفلاحين وأدت إلى تدهور مستوى الحياة فى الأرياف. بالتوازى مع ذلك جرى تأهيل الضحايا السياسيين، وهم عشرات الملايين من المواطنين الذين لحق بهم الأذى من النظام الشيوعى فى عصر «ماو تسى تونج». لقد أدركت بكين أن النموذج الغربى لا يصلح للصين أساساً فى عملية الإصلاح الفكرى. وقد انهار الاتحاد السوفيتى حين حاول الإصلاح على الطريقة الغربيّة. إن تنحية الصين لـ«الرومانسية السياسية» جانباً قد حافظت على وحدة الدولة التى تحوى داخلها مئات الدول. لقد كان الطرح الفكرى الصينى ببساطة هو: مواكبة السلطة مطالب الشعب، وليس الاستجابة لمطالب الخارج.

كان هناك إلى جوار ذلك نموذج الصين فى الإصلاح السياسى، من مكافحة الفساد وتداول المناصب، وتأسيس مراكز بحثية لدعم صناع القرار فى كل المستويات. ولقد أدى هذا الإصلاح الفكرى المنضبط إلى تحقيق نهضة فى (30) سنة، لم تحققها أوروبا إلّا فى (300) سنة.

ثانياً: التواضع.. سياسة عدم لفت الأنظار

كان يمكن للصين أن تعلن فى عام 1992 أنها الاقتصاد رقم (2) فى العالم بدلاً من اليابان، ذلك أنه طبقاً لحساب القوة الشرائية فإن اليابان قد تراجعت للمركز الثالث، بينما تقدمت الصين للمركز الثانى. ولكن الصين أصبحت رسمياً رقم (2) فى العالم عام 2010.

يذكر «تشانغ وى وى»: «لقد رفضت الصين لفترة طويلة جداً استخدام مصطلح «نهضة الصين» لوصف تنميتها السريعة، خوفاً من إثارة ضغينة العالم. وبينما كانت الصحف الدولية تتحدث عن العملاق الصينى الذى سيتجاوز الولايات المتحدة بعد سنوات.. استمرت الصين صامتة وتقول إنها دولة نامية. لا ترغب الصين فى الإعلان رسمياً عن نهضتها، تجنباً للفت الأنظار إليها فى الشئون الدولية. إنها لا تتحدث عن كوْنها دولة نامية!»

إن ما يقوله «وى» دقيق، وقد روى لى السفير محمد نعمان جلال ما يؤكد ذلك، قال: «حين التقيت رئيس الصين أثناء تقديم أوراق عملى كسفير لمصر لدى بكين. قلتُ للرئيس الصينى: إن الصين أصبحت قوة عظمى اقتصادية، وأصبحت النهضة الصينية موضع انبهار العالم. قال الرئيس: لا تنخدع بالوضع فى بكين أو شنغهاى. سأرسل لك سيارة تأخذك إلى الأرياف، سترى هناك الفقر والبؤس. لسنا دولة غنية، نحن دولة نامية، ولدينا مئات الملايين من الفقراء. لا تنخدع بنا»!

لا يتوقف الأمر فقط على الخوف من «حسد العالم» للصين، بل إنه أيضاً يحمل ميراثاً من الخوف وعدم الثقة. ففى أثناء حرب الأفيون الأولى التى خاضتها بريطانيا ضد الصين، وكان ذلك عام 1839 - 1840.. كانت الصين أكبر اقتصاد فى العالم، ومع ذلك خسرت الحرب لصالح بريطانيا. ويرى مثقفون صينيون أن الأمر لا يتعلق فحسب بالخوف من الحسد، أو الخوف من الحرب.. بل إنّ المجتمع لا يزال أمامه الكثير، حيث لا يمكن النظر فقط إلى إجمالى الدخل القومى، وإنما يجب النظر أيضاً إلى متوسط دخل الفرد. فعلى الرغم من أن الصين تجاوزت اليابان، فإن متوسط دخل الفرد فى اليابان أضعاف متوسط دخل الفرد فى الصين.

ثالثاً: الدولة ليست الشر الأكبر

فى الأدبيات الرأسمالية الدولة هى الشر الأكبر، ويجب تحجيم دور الدولة فى الاقتصاد والحياة، بحيث تنحسر وظيفتها فى الأمن والدفاع.

ترى بكين أن الدولة ليست الشر الأكبر، وأن الصين كانت أكثر ازدهاراً فى كل عصور قوة الدولة وقوة السلطة، ثم إن العولمة قد جعلت من الممكن أن تنهار الدولة بسبب هجمات منظمة وقاسية من المضاربين فى الأسواق التى تمتد من الطعام إلى الطاقة، ولذلك فإن الصين توفر طبقة من الحماية للاقتصاد والشعب الصينى. أضف إلى ذلك أن أمريكا -ذاتها- تدخلت فى أزمتها الاقتصادية عام 2008 تدخلاً واسع النطاق، وقد أطلق عليه البعض اسم «الاشتراكية الأمريكية».

إن النظام السياسى الأمريكى هو أسير التمويل المالى للمرشحين، فى الرئاسة والكونجرس. وحتى السقف المالى فى تمويل الحملات الرئاسية تم إلغاؤه. إنها أيضاً «ديمقراطية المشاهير».. حيث الناحية الاستعراضية فى القيادة أهم من السيرة الذاتية والأدوار الوطنية. ما دامت الإجراءات صحيحة لا يهم إذا ما كان نجم سينما أو لاعب كرة قدم. وأما مبدأ الفصل بين السلطات فإنه لم يعد كافياً، إن ذلك لم يمنع كل الأزمات التى تراكمت وواجهت الولايات المتحدة. ثمة إصلاحات جذرية تحتاجها أمريكا، تتجاوز نظرية الانتخابات ومبدأ الفصل بين السلطات.

برأى «وى» فإن نظام الحكم الرشيد لا يشترط أن يكون طبقاً للنموذج الغربى، فقد يكون الحكم الرشيد فى ظل نموذج غربى مثل سويسرا، وقد يكون الحكم غير الرشيد فى ظل نموذج غربى مثل هاييتى والعراق وأوكرانيا وأيسلندا، وقد يكون الحكم غير الرشيد فى ظل نظام سياسى غير غربى مثل ميانمار.

رابعاً: فشل النموذج الغربى فى آسيا

فى قيرغيزستان قامت ثورة ملوّنة عام 2005، ولم يحدث تقدم. وعلى الرغم من أن عدد السكان لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة.. فإنها منقسمة إلى شمال وجنوب. وفى الفلبين التى تبنت النموذج الأمريكى لمدة قرن كامل، فإنها تشهد دائرة دائمة من الفساد، مع كل حكومة جديدة تبدأ دورة جديدة. وفى تايلاند التى تشهد انقساماً عميقاً بين المدن والريف، فإن زعيم المعارضة «ليم كيت سيانج» الذى بدأ الحركة الديمقراطية عام 1998 انتهى يائساً ليقول: الفساد فى السلطة والجهل فى الشعب. لقد أصبحت الانتخابات بلا معنى. والحل هو تعيين أعضاء البرلمان بدلاً من إجراء انتخابات برلمانية. وفى إندونيسيا تخشى النخبة المثقفة من أن تقود الديمقراطية الغربية فى نهاية المطاف إلى الفوضى والتفكك.

يتوقف «وى» عند عملاق الديمقراطية الغربية فى آسيا «الهند» ليقول: الاقتصاد الصينى ثلاثة أضعاف الهندى، ورغم قلة الأرض الصالحة للزراعة فى الصين، فإن الإنتاج الصينى من الحبوب ضعف الهند. وأمّا المركز المالى فى شنغهاى فهو يتفوق على «مومباى» ثلاثين عاماً.

يواصل «وى»: هناك نظام طبقى فى الهند يعانى منه (160) مليوناً من المنبوذين، ووضع المرأة أفضل فى الصين، ثم إن هناك الشعبوية، وشراء أصوات الناخبين أمر شائع، والمعارضة ليس لها هدف سوى السلطة.. كل شىء مسيّس، ومن الصعب التوافق على قضايا كبرى.

خامساً: ملاحظات حول الجميع. هناك فساد فى الصين

ولكن النهضة الغربية قد شهدت معدلاً أكبر من الفساد. ففى القرن التاسع عشر كانت مقاعد البرلمان يتم عرضها للبيع. وكان الاقتصاد الأمريكى محكوماً من قبل من يُطلق عليهم المؤرخون وصف «نبلاء لصوص».. فتاريخ عائلات مثل كارنيجى وروكفلر هو تاريخ مشوب بالفساد. وفى عهد الإمبراطور «ميجى» فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، تم بيع مؤسسات يابانية كبرى لرجال أعمال لهم علاقات بالسلطة.. بأسعار زهيدة.

يواصل «وى»: إن الحرب اليابانية - الصينية عام 1894، التى قدمت بموجبها الصين -بعد هزيمتها- تعويضات لليابان تعادل إيرادات الدولة لمدة ثلاث سنوات. إنّ هذه الأموال الصينية هى التى موّلت تحسين التعليم وإنشاء مصانع وبناء مدن وزيادة حجم الجيش.

كانت النهضة الصينية قبل تلك الحرب متصاعدة، لكن الحرب وما أدت إليه من «اغتصاب» أموال الصين لبناء نهضة اليابان كانت وراء تراجع الصين فى الحقبة التالية.

يقول «وى» فخوراً: وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم -أيضاً- من النموذج الغربى فى اليابان.. فقد عادت الصين وتفوقت على اليابان. إن النموذج الغربى فى أوروبا الشرقية أيضاً لم ينجح، وقد أدركت الشعوب ذلك الوهم المسمّى «القادة المنتخبون».. وحسب قول أحدهم: نحن نختار بين الأسوأ من المرشحين دوماً، وفى الاقتصاد نحن ننتظر صندوق النقد الدولى، والصندوق ينتظر الصين!

سادساً: على الغرب أن يتعلم من الصين

هنا أعلى نقطة فى جبل الهجوم الفكرى الصينى على النموذج الغربى. فالذين تعلموا من الغرب وقلدوه.. من الفلبين إلى هاييتى، ومن قيرغيزستان إلى أوروبا الشرقية.. لم يصلوا إلى شىء.

إن جوهر الفكر الصينى هو الدولة، وجوهر رؤية النخبة الصينية للديمقراطية هو هزيمة أثينا على يد إسبرطة حين كانت أثينا تقدم أول نموذج ديمقراطى. فقد أدت الديمقراطية إلى نموذج جذاب لدولة حرّة، لكنه لم يصمد طويلاً حتى تحول إلى «دولة فاشلة».

كان «تشانغ وى وى» مدير مركز دراسات النموذج الصينى، وصاحب لقب «المتحدث غير الرسمى للصين».. قد وصل بعد انتقادات للجميع تقريباً -فيما عدا روسيا التى تحاشاها دون أن يمتدحها- إلى القول: حان الوقت لأن يتعلم الغرب من الصين.

** إن عالم ما بعد كورونا يفرض علينا إعادة قراءة عالم ما قبل كورونا من جديد. ليست قراءة السطور الأولى، وإنما المتابعة حتى السطر الأخير. لقد انتقلت الصين من حراسة المرمى إلى الدفاع، ثم ها هى تنتقل من الدفاع إلى الهجوم. وهى فى جولة الهجوم هذه تعرف كل شىء عن المباراة وعن كل اللاعبين. لقد تعلمت أمريكا من ألمانيا، وتعلمت الصين من أمريكا. وحين يريد الآخرون أن يتعلموا.. لا يكفى متابعة وسائل التواصل أو مطالعة العناوين. إن الحضارة تكمن فى التفاصيل.