«فوضى غير خلاقة» تضرب لبنان
- د. حسن أبو طالب
- العدوان الإسرائيلى على لبنان
- لبنان
- حزب الله
- د. حسن أبو طالب
- العدوان الإسرائيلى على لبنان
- لبنان
- حزب الله
وقت احتدام العدوان الإسرائيلى على لبنان صيف 2006، أطلقت كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، تعبير «الفوضى الخلاقة»، معتبرة العدوان وإن فجّر فوضى فى لبنان ومحيطه الإقليمى، فهى مؤقتة وعابرة، ولأنها ستفتح الباب أمام تغييرات كبرى تُنهى وجود حزب الله اللبنانى، وبالتالى يتأكد، حسب رأيها، أمن إسرائيل ومجمل المصالح الأمريكية فى الإقليم. لم يتحقق تصور رايس فى الواقع جزئياً على الأقل، فحزب الله ظل موجوداً حتى اللحظة، لاعباً أساسياً فى السياسة اللبنانية وفى الكثير من الأزمات التى اندلعت لاحقاً فى سوريا والعراق وإيران، أما أمن إسرائيل فقد تأثر نسبياً لفترة وجيزة بفعل فشل العدوان على لبنان، ولكنه كسب لاحقاً نقاطاً مهمة بفعل الأزمات والحروب الأهلية التى ضربت سوريا والعراق، وامتدت آثارها على القضية الفلسطينية سلباً حتى اللحظة، وقيّدت الخيارات الأردنية وأفرزت ضغوطاً إضافية على الأوضاع الداخلية بفعل اللاجئين السوريين، ومن قبل العراقيين، ثم تداعيات تفشى وباء كورونا عالمياً ومحلياً.
لبنان لم يكن بعيداً عن كل تلك الأزمات الإقليمية، فهو رغم التزامه رسمياً سياسة النأى بالنفس والابتعاد عن المحاور الإقليمية والدولية، إلا أنه دفع، وما زال يدفع، أثماناً باهظة نتيجة الانقسام السياسى والحزبى رأسياً وأفقياً، وغياب المشروع الوطنى محل التوافق المجتمعى رغم تمسك كل القوى السياسية رسمياً بوثيقة اتفاق الطائف التى أنهت الحرب الأهلية 1989، وتراجع القدرات الاقتصادية وشيوع الفساد وندرة المساعدات الخارجية. والأهم من كل ذلك استمرار حزب الله كقوة حزبية سياسية تتحكم فى مسارات العمل الحكومى داخلياً، وقوة عسكرية ذات تأثير فى الحروب الإقليمية مستنداً إلى تفسير بأنها سلاح للمقاومة ضد إسرائيل والقوى المعارضة للنظام السورى وامتداد للسياسة الإيرانية فى الإقليم. وكلا الأمرين محل جدل بين القوى اللبنانية، كما أنهما باتا أسباباً رئيسية لامتناع دول كبرى اعتادت سابقاً دعم لبنان بالأموال والاستثمارات والهبات، ولكنها الآن تربط أى مساعدات جادة يحتاجها لبنان بشدة حتى قبل استفحال الأزمة الاقتصادية بسبب فيروس كورونا، بتغيير جذرى فى وضعية حزب الله وسلاحه.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية فى أكتوبر الماضى فرضت وضعية حزب الله وسلاحه نفسها على جدل الشارع ومطالباته الاجتماعية والاقتصادية، ومن أبرزها التغيير الكامل للطبقة الحزبية والسياسية باعتبارها المسئول الأول عن حالة الضياع التى يعيشها لبنان، وإعادة هيكلة نظام الحكم بعيداً عن المحاصصة الحزبية والطائفية، وإصلاحات اقتصادية شاملة ومحاسبة الفاسدين وسارقى الأموال العامة. ويُعد تشكيل حكومة حسان دياب فى فبراير الماضى، متأثرة بأسس التقاسم الحزبى المعتادة وتأييد حزب الله المباشر لها، سبباً إضافياً للشعور العام بالإحباط والغضب، والذى رفع مستوياته تدهور الأوضاع الاقتصادية وسوء السياسة النقدية وانهيار سعر الليرة اللبنانية فى مواجهة الدولار، والارتفاع الهائل للأسعار، والآثار السلبية لفيروس كورونا التى أدت إلى إغلاق غالبية المشروعات الصغيرة وارتفاع نسب البطالة إلى 40%، وانخفاض الدخول بنسب تراوحت بين 30 و50 فى المائة لمن بقى فى بعض الأعمال، وتوقف الدعم الخارجى.
وفى ثنايا الجدل بين قوى الحراك الشعبى والعديد من الأحزاب السياسية ثمة انقسام بين توجهين رئيسيين بالنسبة للتعامل مع سلاح حزب الله، ولكل منهما وجاهته السياسية والعملية، أولهما يرى الأولوية للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، والتى يجتمع عليها اللبنانيون أياً كانت طوائفهم أو انتماءاتهم السياسية، بما يعضد من قوتها ويكثف الضغوط على الحكومة والرئيس لاتخاذ الإجراءات الحاسمة لإنقاذ لبنان واللبنانيين. وبالتالى لا داعى لتفجير قضية سلاح الحزب فى ظل هذه الظروف لأنها سوف تثير انقسامات ومواجهات فى الشارع بين مؤيدى الحزب ومعارضيه، وتُفقد الحراك الشعبى زخمه، وهو ما لن يتحمله لبنان فى ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والنقدية. والثانى يرى أن عدم مواجهة تلك القضية كجزء مهم من أزمة لبنان الكلية لن يؤدى إلى أى تغيير حقيقى فى منظومة الحكم فى لبنان، كما سيجعل المانحين الدوليين على حالهم من التردد والامتناع عن تقديم أى دعم تحتاجه البلاد بشدة، وبالتالى لن تستطيع الحكومة أن تطبق الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، مما سيفاقم الأزمة ويُضيع البلاد والعباد.
المتمسكون بضرورة إنهاء عقدة حزب الله وسلاحه يشيرون أيضاً إلى تعقيدات إضافية سوف يواجهها لبنان رسمياً وشعبياً فى المرحلة المقبلة بعد البدء فى تطبيق الولايات المتحدة قانون قيصر لمعاقبة سوريا وكل من يتعامل مع الحكومة السورية حتى ولو كان مشروعاً خاصاً صغيراً. ومعروف أن الحدود اللبنانية السورية تشهد ما يُعرف بالمعابر غير الشرعية فى مناطق معينة يسيطر عليها حزب الله، يتم من خلالها عمليات تهريب للبضائع والسلع فى الاتجاهين، ويستفيد منها أشخاص نافذون بعيداً عن منافذ الدولة وحقوقها المشروعة فى الضرائب والجمارك. وهى معابر مرصودة أمريكياً وسوف تمثل أسباباً أخرى للضغط الأمريكى على الحكومة اللبنانية لتطبيق القرارات الدولية الخاصة بنزع سلاح حزب الله ووضعه تحت سيطرة الدولة والجيش اللبنانى. كما ستوفر للمانحين الدوليين المترددين مبررات أخرى لحث لبنان على ضبط الحدود والالتزام بقانون قيصر قبل الحصول على أى مساعدات اقتصادية.
هذه الضغوط المتوقعة سوف تؤثر حتماً على خطة الحكومة التى أُقرت فى أبريل الماضى تحت مسمى الإصلاح الهيكلى وبمشورة من صندوق النقد الدولى، وهى تضع أولوية فى الحصول على تمويلات خارجية بقيمة 80 مليار دولار فى السنوات الخمس المقبلة منها 10 مليارات دولار مساعدات، فى حين تبلغ الديون 92 مليار دولار تمثل 170 فى المائة من إجمالى الناتح القومى فى حال استقرار الأوضاع وتحقيق نمو سنوى فى حدود 3 فى المائة أو أكثر.
مجمل المعطيات تمثل بيئة سياسية اقتصادية أمنية مسدودة بلا أفق. خروج اللبنانيين إلى الشارع للضغط على الحكومة، وهو حق دستورى طالما التزم بالسلمية، لكنه مُعرَّض، كما حدث فى الأيام الثلاثة الماضية، إلى الانزلاق لمواجهات وعنف بين سُنة وشيعة، وبين مؤيدين لحزب الله وحركة أمل والتيار الوطنى الحر، وآخرين ينتمون لأحزاب المستقبل والاشتراكى والكتائب والقوات اللبنانية من جهة أخرى، وبين فوضويين فاقدين الأمل فى الإصلاح والتغيير، وبين آملين فى حدوث تغيير ولو بطيئاً يُحسن جزئياً أوضاعهم البائسة، وبين مطالبين بانتخابات مبكرة، وبين رافضين للفكرة لأنها تتم وفق قانون سيئ سيعيد إنتاج النخبة ذاتها المرفوضة.
فقدان الأمل وتشتت المسارات وتباين الأوزان النسبية المختلة بين القوى والأحزاب السياسية وتجاهل المانحين، جميعها تدفع إلى فوضى كبرى لن تكون خلاقة بأى شكل من الأشكال.