«وجعل بينكم مودة ورحمة»
- العميد محمد سمير
- فيروس كورونا المستجد
- فيروس كورونا
- كورونا
- كوفيد 19
- العميد محمد سمير
- فيروس كورونا المستجد
- فيروس كورونا
- كورونا
- كوفيد 19
انتشرت بشكل واسع متعمد فى الآونة الأخيرة ظاهرة سيئة، تتمثل فى تداول المئات من الرسومات والفيديوهات والنكات الساخرة التى تحط وتسفّه من شكل العلاقة بين جميع أفراد الأسرة بصفة عامة، وبين الزوج وزوجته بصفة خاصة، والملاحظ أنها جميعاً مصنوعة بعناية ومحتوى مرح وجذاب لكى تحقق الغرض منها، وهى تصر بمعدل متنامٍ وبإلحاح مريب، وبأسلوب ممنهج ومتنوع ومتكرر، على تصوير الزوجين وكأنهما عدوان لدودان يتمنى كل منهما الخلاص من الآخر، أو يتفننان على أقل تقدير فى الكيد لبعضهما البعض بكل شر وسوء.
ومما لا شك فيه أن هذه الأباطيل والترهات تتنافى كل النفى، وتتعارض كل التعارض، مع ما دلنا عليه الله جل وعلا فى محكم آياته عن مفهوم الأسرة، وعن علاقة «الزواج» التى وضعها سبحانه وتعالى فى مكانة عالية، وحصّنها بوصايا وضوابط نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تجعلها أقدس وأمتن وأرقى العلاقات الإنسانية على الإطلاق.
لذا فإنه من الضرورى إلقاء الضوء على أهم الأسس التى أراد الله أن تقوم عليها الحياة الزوجية، لكى يدرك كل من الرجل والمرأة واجباتهما فى هذا الشأن شديد الأهمية.
فعن الصفات الحميدة التى يجب أن يُبنى عليها كامل مشوار الحياة الزوجية منذ مرحلة الاختيار، يقول الله فى محكم آياته:
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، وأرجو أن نلاحظ هنا أن المولى عز وجل قد اختار من بين العديد من الصفات الحميدة، صفتى «المودة، والرحمة» تحديداً لكى تكونا هما الأصل المتين الذى يجب أن يكون سائداً فى جميع المعاملات التى تخص الحياة الزوجية، كما أن هذه الآية الكريمة تتضمن أيضاً القاعدة الكبرى التى يجب أن يُبنى عليها الغاية من «علاقة الزواج»، وهى سُكْنَى الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها.
إذاً فالأصل فى الحياة الزوجية والأسرية هو الاستقرار والمودة والرحمة والسكن، وليس معنى ذلك أنه لا يمكن أن تقع مشكلات داخل البيوت، فلو خلا بيت من المشكلات لكان ذاك هو بيت النبوة، لكنه لم يخلُ منها، وهو ما ينبغى معه أن يستقر فى يقين الزوجين أن حدوث الخلاف بينهما هو أمر وارد، ولكن يجب أن يحولاه لو حدث إلى أمر عارض، وأن يعملا معاً على معالجة أسبابه لأنه خروج عن الأصل، وينصح حينئذ بأن يتذكرا نص الآية الكريمة:
«وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، وذلك وفاءً لحق العشرة، ولأنه يجب أن لا نجعل لحظات الخصومة تهدم سنوات المودة.
والرجل تقع عليه المسئولية الأكبر فى هذا، كما بيّن لنا ذلك رسولنا الكريم فى عدد من الأحاديث الصحيحة التى قال فيها:
«استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما فى الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً».
«أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم».
«اللهم إنى أُحَرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة».
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى».
وفى نفس ذات الشأن يقول الله جل وعلا:
«وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا».
ولأن الأسرة هى المؤسسة الأولى والأهم فى الحياة الإنسانية، وهى نقطة البدء التى تؤثر فى التنشئة الصحيحة فى كل مراحل الطريق، فقد حرص المنهج الربانى على حماية روابطها من خلال وضع ضوابط مشددة للطلاق، حتى إنه جعله «أبغض الحلال إليه»، طبقاً لما أخبرنا به رسولنا الكريم، ولهذا فإن قيام أحد الطرفين بإساءة استخدامه من خلال التهديد أو التخويف به دون وجود سبب قوى تستحيل معه العشرة، فإنه يرتكب بذلك خطأً كبيراً نهى عنه ديننا الحنيف، «فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» صدق الله العظيم.
لو اتقينا الله فى معاملاتنا الأسرية، والتزمنا بكل أمانة وإخلاص بالوصايا الربانية التى تخص الحياة الزوجية، ستمتلئ حياتنا بالسكينة والبركة، وستخلو المحاكم من جميع القضايا الاجتماعية لأن أسبابها الحقيقية هى البعد عن منهج الله.