الكثير من النفخ فى الزبادى يفسده
- محمود البرغوثى
- الزراعة
- الوزارات الخدمية
- القوى العاملة
- محمود البرغوثى
- الزراعة
- الوزارات الخدمية
- القوى العاملة
صحيح أن من «لسعته» الشوربة الساخنة مرة، يضطر للنفخ فى الزبادى مرات، لكن هذه القاعدة مشروطة بالجوع الذى غالباً ما يلغى المسافة بين ما هو نار وحارق، وما هو برد وسلام.
لا أحد يعلم حقيقة ما يدور حول أى حقيبة وزارية، أو خفاياها الداخلية، بعد أن تذهب إلى يدَى وزير جديد، فربما تكون هناك توجيهات ذات رؤية شديدة الخصوصية وبعيدة عن الواقع تفرضها تداعيات أمنية ورقابية، فتغل يدى الوزير، وربما يفرض حذر الوزير نفسه كثيراً من التريث فى اختيار فريق القيادات المعاون له، فيمعن فى تحرِّى الدقة حتى يضمن تحقيق المستهدف من وزارته.
ومع التسليم بمشروعية التأنى والدقة فى التحرى، والنفخ فى «اللقمة» عدة مرات قبل بلعها، يتطلع المستفيدون من الوزارات الخدمية والإنتاجية، مثل وزارة الزراعة خصوصاً، إلى إحراز الوزير أهدافاً صحيحة سريعة، يسددها بمهارة، بعد استيفاء الفترة المنطقية لمرحلة استعراض القوى العاملة، والقوى الفاعلة، وغيرهما المعطلة كيداً أو ظلماً فى عهد سلفه.
- مع كل ذلك، لا ينبغى التمادى فى تأخير مراحل الفرز، مخافة حدوث المزيد من التحلل فى المواقع المنوط بالوزير إنقاذها، أو تحديثها، أو تصحيح أخطائها، لنقلها من خانة الخسائر أو الفشل الذى فرض التغيير الوزارى.
- الأمر لا يخص وزارة بعينها، بل من المؤكد أنه يشمل كل الوزارات المبتلية بتغييرات كثيرة، وأخص منها هنا وزارة الزراعة، التى تمثل معظم دائرة اختصاصى وخبراتى العلمية والعملية، حيث شهدت فى عهد الوزير الحالى، قرارين رشيدين فقط فى نحو 75 يوماً، وهو عزف شديد الهدوء يطغى عليه صخب المرحلة الراهنة، ويخيب الآمال المرجوة من رجل يُنتَظر منه إعادة الاعتبار لهذه الوزارة المكلومة، خاصة أنه ليس من أصحاب الأيادى المرتعشة، بحكم سيرته المهنية.
- الوزارة تملك آليات عديدة وأملاكاً ثقيلة على الحصر، حجماً وثمناً، ومنها على سبيل المثال: قطاع الإنتاج الذى يقاس بحجم وزارة إنتاجية متكاملة، حيث يدير نحو 60 ألف فدان من أجود الأراضى الزراعية فى عموم مصر (وادٍ قديم وصحراء)، وأكثر من 30 مزرعة ماشية، وتُرِك فى يدى موظف من العيار الخفيف، يصلح بالكاد لوظيفة سكرتير ثانٍ، وهو إرث الوزير السابق، الذى كان قد قطع على نفسه وعداً بأن يغير الكثير من القيادات الفاشلة، إذا تم تجديد الثقة فيه، لكنه ذهب دون أن يخلع كل المسامير التى دقها فى مضمار غيره، فاستوجبت الاستعانة بخبير إزالة ألغام كى يمهِّد الطريق لخلفه.
- نجح الوزير الحالى ونائبه فى تطهير بعض خرابات قطاع الإنتاج، من الإنس الذى استحسن التنطع فى الظل، أو من الجان الذى استأنس السكنى فى المزارع الخربة، فأحرق زرعها، وجفف ضرعها، لتكون مهمة الرجلين ومن معهما من القلة المخلصة، إطفاء الحرائق وصرف الجان، بدلاً من إضافة حلقات جديدة منتجة.
- من ممتلكات وزارة الزراعة وتوابعها أيضاً: 28 مديرية زراعة فى كل محافظات مصر، و7 إدارات مركزية ومشاريع فنية، تتبع قطاع الخدمات والمتابعة، وهذا القطاع بحجم وزارة خدمية مترامية الأطراف، وبلغ رئيسه الحالى سن التقاعد، ويتطلب فى الوقت الراهن قيادة فتية، شبت فى دهاليز الزراعة، وتدرجت من أقل وظيفة فى السلم المهنى «مشرف حوض»، حتى ترقَّت إلى أعلاها «مدير عام»، وما بينهما من درجات ومراتب، ومن المؤكد أن الوزارة تملك الكثير من هذه النوعية التى خاضت اختبارات وحصلت على دورات، استوجبت موافقات أمنية من جميع الجهات الرقابية المعنية بالفحص الشامل الدقيق الأمين.
- قطاع الخدمات يشبه مخلوقاً خرافياً، يتكون من رأس عملاقة بـ28 ذيلاً (المديريات)، تتفرع عن كل ذيل شعيرات مركزية «الإدارات الزراعية»، وتنبت فى عمود هذه الشعيرات عدة أهداب فاعلة (5425 جمعية تعاونية زراعية)، وفيها يُستزرع النجاح، أو يُسْتَنبت الفساد لإفقار الفلاح.
- هذا القطاع معنىّ بإدارة شئون المديريات ومشكلاتها، وحماية الأراضى الزراعية من التعدى عليها بالبناء، وإدارة ملف مكافحة آفات النباتات، وإدارة ملف الحجر الزراعى (صمام أمان الصحة النباتية)، إضافة إلى إدارة ملف التعاون الزراعى وما به من مفازات ومغارات ومفرخات للفساد، وإدارتى إنتاج التقاوى، واعتماد وفحص التقاوى، ومشروع العفن البنى فى البطاطس، وكلها إدارات تتطلب قيادياً باختصاصات وزير وطنى وأمين.
- لا أحد يتنبأ بما سوف يحدث فى قطاع الاستصلاح، الذى يتبعه أكثر من مليونى فدان، و668 جمعية تعاونية زراعية، وذلك بعد أن تركه الرجل الذى كان قد انتشله من القاع، ليتم تكليفه بأعباء ثقيلة، كسند ودعم حقيقيين لوزير الزراعة الحالى.
- البطء الشديد فى إعلان حركة التنقلات والتغييرات يحقق عدة نتائج سلبية، أهمها: التمادى فى تحقيق خسائر على أيدى القدامى، ومنحهم الفرصة فى طمس حقائق وإخفاء ملفات مهمة، وزرع عناصر تحرس صناديقهم السوداء، أو تغطى بالوعات فسادهم حتى لا تزكم الأنوف فتدل على مصائبهم.
- ومن أشد سلبيات البطء أيضاً، زيادة الضغط على الوزير ونائبه، حيث يضطران لحمل ما لا طاقة لهما به، بصفتهما المسئولين المباشرين أمام القيادة السياسية، والبرلمان، والرأى العام، عن النجاح فى تضييق فجوة غذائية قوامها نحو عشرة مليارات دولار، يمكن حقنها فى عصب الاحتياطى النقدى الأجنبى، أو الفشل الذى يُراد للأيادى المنتجة من جهابذة استيراد الحبوب الاستراتيجية والدواجن ومجزّآتها وزيوت الطعام.
- ومن عوامل الضغط التى ستقطع عُرى اليقين فى قدرة السيد القصير، ما يثار حول افتقاد الوزير لصلاحيات الاختيار الحر، واضطراره لانتظار ما تفرج عنه صمامات أمان الأجهزة الرقابية المعنية بتدقيق النظر من المنظور الأعلى، لضمان تنقية أكبر مساحة رؤية ممكنة من «العفاريت»، لكن يُخشى من أن تُترَك الطبخة وقتاً أطول من اللازم، فتفسد بفعل البكتيريا الانتهازية.
- فإلى الجهات الرقابية التى تتعلق بها آمال شعبنا فى الأمن والأمان، وبكلمات مباشرة: ليس كل من تعاون مع الجماعة المحظورة إبان حكمها كان يعمل من أجلها، بل من أجل تسيير عجلة البلاد، وخدمة العباد.
- وأخيراً: إذا كنتم تبحثون عن معصومين.. فليس بيننا الآن أنبياء.