سورة «الكهف» والإعجاز الرقمى والفلكى
لم يدع القرآن الكريم للقارئ أن يكتشف الإعجاز اللغوى لسورة الكهف بمفرده، وإنما أعلن ذلك فى مطلع السورة، «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا قَيِّمًا»، أى ليس فيه اعوجاج اللحن، بل وزن واحد وآيات متساوية وتنسيق عجيب وترتيب أعجب فى كل سور القرآن رغم أن متن السورة قد ينقلك من رسول إلى رسول دون ترتيب، أو قوم إلى قوم دون تأريخ متتالٍ، إلا أن المتساوى وزناً ولحناً ونطقاً ومعنى، كما فى سورة الكهف، هو معجزته الأعظم، وعن تلك السور التى لا تلتزم بالترتيب وزناً ولحناً ونطقاً معجزتها الأشد تأثيراً، لكن سورة الكهف اختارها الله المثل الأعلى للتنسيق والترتيب فى المعنى وفى المغزى وفى اللحن وفى النطق، وأكد القرآن ذلك بنفسه أنها بلا أى اعوجاج فى ختام كل الآيات بحرف واحد، ألف مفتوحة بالنطق مثل عوجا، ولدا، كذبا، أسفا.
ثم تنتقل السورة من إعجاز اللغة إلى إعجاز الأرقام، سورة الكهف آية رقم 1، والغريب أن الأرقام مرتبطة بالكهف، فإن كان الكهف معجزة أهل الكهف التى جعلها الله إشارة واضحة لعلم الفلك قبل أن نعلمه بمئات السنين، «وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ»، سورة الكهف آية رقم 17.
وهم فى إحدى فجوات هذا الكهف، اختير موقع رقادهم بعناية تنافس وتعلو قدرة الفراعنة على اختيار موعد طلوع الشمس على وجه ملوكهم، وكأن القرآن يشير إلا أن هذا العلم الفلكى كان معروفاً فى ذلك الوقت، وكيفية اختيار المكان الذى تطلع عليه الشمس، وذاك الذى تغرب منه!
وأشار القرآن إلى معجزة ذى القرنين بأن تمكين الله للبشر باختياره وحده «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ»، فما آلية التمكين؟ أن تعرف كيف تدير الموارد الطبيعية للكرة الأرضية، وأهمها الشمس والقمر والمشرق والمغرب، أى علوم الفلك، ثم علوم المادة الخاصة بالقشرة الأرضية، مثل الحديد، ومثل القطران أى البترول، اللذين أشار إليهما القرآن مرتين، إحداهما مع سيدنا سليمان «وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ»، والأخرى مع ذى القرنين، «أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا»، ثم الحديد مع ذى القرنين، «آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ»، لكى يلينه بالتسخين الشديد، وتواصل سورة الكهف معجزاتها اللغوية والرقمية والعلمية، فتفرق بين التقويم الشمسى «ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ» والتقويم القمرى «وَازْدَادُوا تِسْعًا»، سورة الكهف آية 25، ثم تؤكد عدد أهل الكهف، فتشير إلى أن الناس يقولون إنهم ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة، وكل هذا القول غير صحيح، أى تخمين فقط، وهو «رَجْمًا بِالْغَيْبِ»، أى تفسير لمن غاب عن حضور عددهم ومعرفته الدقيقة، ولذلك لم يضع الواو التى تفيد الربط بصحة هذه الأرقام وكونها لغواً غير صحيح أو مجرد تخمين، وأكد أنه فعلاً تخمين غير صحيح، لكن الصحيح والمؤكد سيذكره الله وحده دون غيره.
هل الأرض حادت بميل عبر آلاف السنين، فجاء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الأرض دارت فأصبحت كما خلقها الله أول مرة أكملت دورتها؟ وهل هذا تفسير سورة الكهف عن الشمس، التى تطلع فى «عَيْنٍ حَمِئَةٍ» ومنع أهل يأجوج ومأجوج من إيذاء البشر وصحة أن هناك كهفاً له فتحة أغلقها ذو القرنين حتى إذا جاءت علامات الساعة كسر السد الحديدى الذى أنشأه ذو القرنين وعادوا ينتشرون مع البشر يؤذونهم؟ «وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ»، وهل هذا هو وقت ظهور المسيخ الدجال؟! الله أعلم، الأمم السابقة كانت متقدّمة، أهل الكهف لهم عملة نقود، والفجر «إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ»، «سُبْحَانَ» الله بداية الإسراء، و«الْحَمْدُ لِلَّهِ» بداية الكهف من معجزات سورة الكهف أن يُعلّم العبد الصالح، وهو الخضر، نبياً مرسلاً وهو موسى، وهو ما يؤكد العلم اللدنى الذى يؤمن به الصوفية.
إن ختام سورة الكهف يؤكد بداية السورة من أن هذا الكتاب «قَيِّمًا»، «وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا»، أى لا غلطة فى حرف ولا وزن ولا معنى، ويؤكد ختام السورة المعنى مرة أخرى، حيث تقول «قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا»! سورة الكهف آية رقم 109.