الشارع العربى وقضية فلسطين

يقف النظام الإقليمى العربى شاخصاً مضعضع الحيل إزاء الخطة الأمريكية لتسوية القضية الفلسطينية، التى طرحها الرئيس ترامب أخيراً. وهو أمر لا يبدو أنه فاجأ أحداً، لكن كثيرين لاحظوا أيضاً أن الشارع العربى لم يُظهر الاستجابة المعتادة لمثل تلك العروض غير العادلة، كما كان يحدث على مر عقود سبقت طوفان الانتفاضات فى 2011.

ثمة عدد من الأسباب التى كرّست الأداء الرسمى العربى حيال ما دأبنا على تسميته بـ«القضية المركزية» طوال عقود، لكن السؤال يثور حول تلك الأسباب التى قادت الجمهور العربى إلى موقف أشبه ما يكون بموقف «المتفرج»، فى مقابل المواقف الراديكالية والرافضة المعهودة، التى نشطت خلالها قوى الشارع والنقابات ومنظمات المجتمع المدنى وبعض البرلمانات، فضلاً عن القطاع المهيمن من وسائل الإعلام.

لم يكن الشارع العربى يعزف على الأوتار ذاتها التى تستخدمها الأنظمة فى عديد الأحوال، وظهر خلال العقود التى سبقت طوفان الانتفاضات ما يمكن وصفه بأنه «توزيع أدوار» مدروس بين الشارع والسياسة الرسمية، حيث كانت التظاهرات تنطلق من المساجد، وتتفجر فى ساحات الجامعات، وكانت الأصوات تعلو فى الإذاعات، والعروق تنفر فى رقاب المتحدثين عبر الشاشات، والمانشيتات الجريئة تزعق فى صدارة صفحات الصحف، بينما تتخذ الأنظمة المواقف الأكثر مواءمة للمصالح الوطنية كما تشخصها.

والشاهد أن الافتراق الفلسطينى الذى تجسّد جلياً منذ اتفاق أوسلو فى العام 1993، وما تلاه من ترتيبات إقامة السلطة الفلسطينية، وتوفير الأمن لإسرائيل مقابل الوعود بالمضىّ قدماً فى التفاوض للوصول إلى حل نهائى للصراع، ترك العمل الوطنى الفلسطينى منقسماً، قبل أن يُجرَّد من القيادة بعد غياب ياسر عرفات.

الحقيقة المرة التى بسببها تفقد القضية الفلسطينية قدراً كبيراً من زخمها وقدرتها على الصمود وإقناع المؤيدين بالمساندة تتعلق بغياب القائد الذى يحظى بالقدر اللازم من التوافق والمطاوعة.

سيمكنك، إذا أردت، أن تعدد أسماء العشرات، بل المئات، من الناشطين والمناضلين الفلسطينيين أصحاب التاريخ الناصع فى المقاومة والعمل الوطنى والرؤى الواضحة حيال الصراع وسبل حله، لكن واحداً منهم لا يستطيع إقناعنا باستحقاقه للزعامة أو قدرته على النهوض بأعبائها.

لم يحدث على مر التاريخ أن نجح شعب، مهما توافرت له القدرات وتيسرت السبل، فى نيل حقوقه الوطنية أو التخلص من الاستعمار أو تحقيق الحرية وإزاحة الظلم والقهر والاستعباد من دون أن تكون له قيادة وطنية بارزة تحظى بقدر من التوافق والاصطفاف خلفها معتبر، وتتمتع بقدر مناسب من الشرعية والقبول الطوعى الدولى والإقليمى.

ورغم أن جزءاً كبيراً من أسباب النزاعات الفلسطينية- الفلسطينية الراهنة يعود إلى وفرة كمية فى الزعماء، وهى الوفرة التى مكّنت كل فصيل من تصور وجوب تفعيل رؤاه والسير على منهجه، فإن قائداً واحداً لا يكاد يظهر على الساحة متمتعاً بالقبول والمصداقية فضلاً عن القدرة والشرعية اللازمة لتولى القيادة.

لم تترك إسرائيل جريمة مهما كانت مروعة أو شنعاء إلا وارتكبتها فى حق الشعب الفلسطينى، ولم تترك باباً يمكن أن تنفذ منه إلى حيث تضعف الفلسطينيين وتشل قدرتهم على الفعل وتمحو أثرهم من المنطقة والعالم إلا وولجته، ومع ذلك فيبقى أكبر نصر لها، وأفدح هزيمة للفلسطينيين، أنها عملت بجهد وتدبير محكمين لتوصلهم إلى حيث باتوا فى انقسام لا يجبره قائد.

أما السبب الثانى لهذا الموقف المتضعضع الصامت القابع فى موقع «المتفرج» فيكمن صراحة فى أن كثيراً من المواطنين العرب باتوا أقل اهتماماً بالقضية الفلسطينية مقارنة بأوقات ما قبل الانتفاضات.

يخوض فلسطينيون معركة راهناً ضد طرح ترامب، لكن هذه المعركة لا تحظى بالحد الأدنى من المناصرة التى كان معتاداً الحصول عليها من الشارع العربى فى حال تعذر جنيهاً من النظم السياسية.

يلعب الإعلام دوراً مؤثراً فى هذا الصدد، إذ تراجعت القضية الفلسطينية إعلامياً بشكل ملموس وواضح، فى كل من الإعلام العربى والدولى، وهو أمر يكبد تلك القضية خسائر كبيرة، ويعرقل تحقيق أهداف الشعب الفلسطينى فى الاستقلال والكرامة.

هناك دلائل واضحة على تراجع القضية الفلسطينية إعلامياً على الصعيد العربى، فيكفى فقط أن تقرأ عناوين الصحف اليومية الإقليمية أو المحلية فى أى بلد عربى، أو أن تشاهد نشرات الأخبار الرئيسة، أو أن تقرأ المجلات والدوريات، أو أن تستمع إلى الأغانى والأشعار، لتكتشف على الفور أن نسب معالجة القضية الفلسطينية فى تلك المجالات تتراجع باطراد، وتضيق المساحات المخصصة لها بوتيرة متسارعة.

يعطينا التغير الجوهرى فى موقف السودان الرسمى والشعبى من إسرائيل وطروحات التسوية الأمريكية مثلاً واضحاً على حجم التغيير الذى طال الموقف من القضية.

العراق انهمك فى معالجة تداعيات الاحتلال الأمريكى والتدخل الإيرانى والصراع الطائفى، وسوريا تتهرئ تحت وطأة الحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية، واليمن غارق فى مأساته، والمغرب العربى منشغل بمصالحه وهمومه، ومصر تواجه التحديات العارمة على حدودها الغربية، وفى سيناء، وفى أزمة «سد النهضة»، وفى محاولة تجاوز مشكلتها الاقتصادية، ودول الخليج تنحو منحى أكثر «واقعية» إزاء الشأن الإقليمى، ضمن إطار قيود يتسع يوماً بعد يوم.

مع اندلاع الانتفاضات فى العام 2011، لم تعد القضية الفلسطينية محل تنافس أو تنازع أدوار بين القوى العربية المهمة والمهتمة، لكنها باتت قضية ذات أولوية منخفضة، فى مقابل الموقع التاريخى الذى احتلته باقتدار عبر عقود بوصفها «قضية العرب المركزية».

يحق لإسرائيل أن تشعر بالبهجة إذن، وربما يحق لها أن تشعر بالفخر، إذ بات العرب (أصحاب القضية) مشغولين عنها إلى هذا الحد، فخف الضغط عليها، وبهتت صورة الإدانة، وأصبح بوسعها أن تُفعّل استراتيجيتها على النحو الذى تراه مناسباً من دون توقع عواقب.

لم يصارح العالم العربى نفسه بعد ويعترف بأن ترامب كان قد أجرى «تقدير موقف» محكماً قبل طرح خطته، وأياً كان مستقبل هذه الخطة، فالشاهد أنها لم تستنفر موقفاً يقيد طاقتها إلى حد الإعاقة الكاملة، أو يمنع طرح مثيل لها فى ظرف آخر أكثر ملاءمة.

لقد تراجعت القضية الفلسطينية سياسياً وإعلامياً تراجعاً ملموساً وجوهرياً، وهو أمر يكبد تلك القضية خسائر كبيرة، ويعرقل تحقيق أهداف الشعب الفلسطينى فى الاستقلال والكرامة.