روسيا بوابة حسم صراعاتنا!
فى رأيى المتواضع أن روسيا فى عام 2020 هى اللاعب الرئيسى والأهم فى حسم توترات منطقة الشرق الأوسط من لبنان إلى سوريا، ومن إيران إلى ليبيا، ومن تركيا إلى قطر، وصراع الغاز والحدود البحرية فى شرق البحر المتوسط.
لماذا نعطى روسيا -الآن- هذه الأهمية الاستثنائية؟
الإجابة: سببان جوهريان ويتفرع منهما الكثير من العناصر والعوامل.
السبب الأول يرجع إلى ارتباك واضطراب النظام الدولى وانكفاء القوى الكبرى على مشاغلها ومشاكلها.
الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة فى انتخابات الرئاسة، والتجديد الكلى لمجلس النواب وأكثر من ثلث مجلس الشيوخ وتجديد انتخاب 13 حاكماً للولايات.
والرئيس الأمريكى يعيش حالة دفاع عن النفس ما يجعله منشغلاً تماماً فى الحفاظ على البقاء أولاً، ثم الفوز فى معركة الرئاسة ثانياً.
الأسواق المالية، التى تعتبر مركز قوة «ترامب» وعمود الخيمة فى حزبه الجمهورى تدخل مرحلة ارتباك واضطراب مع ازدياد مخاوف ظهور تقلص فى حركة هذه الأسواق وانخفاض فى معدلات الاستهلاك الداخلى للمواطن الأمريكى وهى الركيزة الأساسية لانتعاش أو ركود الاقتصاد الأمريكى.
أما أوروبا فهى منشغلة بالخروج المؤكد لبريطانيا منها، واستفحال الأزمات الاقتصادية فى فرنسا وإيطاليا، وصعود مقلق لأحزاب اليمين المتطرف، والعد التنازلى لخروج مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل من الحكم.
والصين منشغلة بإعادة تنشيط معدلات النمو الكلى، ومواجهة آثار العقوبات التجارية الأمريكية، وضعف الإنتاج، وقلة التصدير للخارج عن السنوات السابقة.
هذه أسباب قوة تأتى من ضعف الغير، أما أسباب القوة الذاتية لروسيا الاتحادية فيمكن تحديدها على النحو التالى:
إن عناصر القوة الأساسية فى روسيا -بصرف النظر عن حاكمها- هى أمور جوهرية مثل كونها أكبر دولة من ناحية المساحة، فهى تشكل 8/1 مساحة العالم أى 17 مليون كم مربع، ويبلغ عدد سكانها 143 مليون نسمة.
وروسيا هى أكبر دولة فى العالم فى مصادر الطاقة، فهى الأولى فى إنتاج الغاز قبل إيران وقطر.
وروسيا تمتلك على أراضيها أكبر غابات طبيعية وثروات معدنية أساسية، وصاحبة أكبر مصدر للمياه العذبة فى العالم ما يشكل مساحة ربع المياه العذبة المتوافرة فى العالم.
ويؤكد الميزان العسكرى للأعوام الأخيرة أن موسكو هى أمهر بائع سلاح فى السنوات العشر الأخيرة بدءاً من منظومات الدفاع الجوى (إس 300) و(إس 400) المطورة، وطائرات السوخوى (35) والدبابات الثقيلة وخفيفة الحركة، ولدى شركة مبيعات صناعة السلاح الروسية طلبات لسنوات مقبلة فى إنتاج المروحيات والصواريخ الذكية وأطنان من الذخائر الخفيفة والثقيلة.
وتقدر مبيعات السلاح الروسية فى العام الماضى بـ55 مليار دولار أمريكى وأهم زبائنها: الهند وإندونيسيا وتركيا واليونان، كما أنها أضافت إلى زبائنها المزيد من العملاء الجدد، مثل: السعودية والأردن والإمارات والكويت، كما أنها ما زالت تتميز بعلاقات تسليحية خاصة بكل من مصر والجزائر والعراق.
تنشط شركات التنقيب عن النفط الروسية مثل «روسنفت» و«نوفانيك» و«بروم غاز» فى سوريا ولبنان وتستعد لدخول أسواق جديدة، مثل إسرائيل واليونان ومصر وتحاول جاهدة الحصول على عقود مع الإمارات والسعودية.
مصالح روسيا فى المنطقة قديمة، فقد سعت روسيا منذ مائتى عام للوصول إلى المياه الدافئة فى المتوسط، لذلك شنت عدة حروب ضد الدولتين الفارسية (1806 - 1813 - 1826)، والعثمانية (1828 - 1829 - 1853).
وهناك قاعدة استراتيجية داخل مراكز صناعة القرار الروسى، بصرف النظر عن طبيعة النظام الحاكم أو الرئيسى الموجود فى الكريملين هى أن كون روسيا تشكل الحيز الأكبر من منطقة «أوراسيا» فإن الشرق الأوسط يشكل البوابة الجنوبية لها والفاصل الجغرافى مع المياه الدافئة.
الوجود الروسى فى سوريا الآن حيوى وأساسى واستراتيجى ولا تنازل عنه فى عهد فلاديمير بوتين لأنه يعطى موسكو منفذاً على المياه الدافئة فى المتوسط وقدرة تأثير استراتيجية فى المنطقة وبوابة للدخول إلى غاز لبنان ونفط سوريا.
رهان أنقرة على موسكو، يبرر المعركة المستميتة التى خاضها رجب طيب أردوغان لشراء صواريخ (إس 400) بدلاً من منظومة الباتريوت الأمريكية، لأنه يعلم أن روسيا هى الدولة الوحيدة المضمونة ضمن الخمس الكبار دائمة العضوية التى لن تصوت -بسبب مصالحها- ضد فرض عقوبات على تركيا.
من هنا يعتمد «أردوغان» على مصالحه فى موسكو، حينما يدخل إلى شمال شرق الفرات فى سوريا رغماً عن إرادة واشنطن والاتحاد الأوروبى ويقوم «بغزوة طرابلس» ويوقع اتفاقاً غير مشروع دولياً يهدد فيه غاز شرق المتوسط.
من هنا، وبناء على ما سبق، يجد المراقب المتابع أن موسكو فى الوقت الحالى وفى المستقبل القريب هى عنصر حاكم فى ترسيم قواعد الحرب أو السلام فى الشرق الأوسط.
«بوتين» شخصياً مفتاح رئيسى فى رسم صورة شكل المنطقة ذات الملفات المضطربة.
روسيا كدولة هامة فى ملفات خلافات وصراعات دول الاعتدال مع قطر وتركيا.
لا يوجد مستقبل قريب لرسم قواعد الحكم فى سوريا إلا عبر البوابة الروسية.
لا إمكانية لإحكام الضغط على تركيا إلا من خلال فك الحلف الروسى - التركى - الإيرانى.
لا إمكانية لردع جنون «أردوغان» فى شرق المتوسط إلا بإظهار موسكو لمخالبها وغضبها ورفضها لغزوة طرابلس.
«بوتين» لا يحب ولا يكره، ولا يوافق أو يرفض، ولا يبيع ولا يشترى إلا مقابل «المصلحة» أو بالأصح السعر المناسب.
كل شىء فى الكرملين قابل للأخذ والرد والتفاوض إذا توافرت المصالح الاستراتيجية لموسكو فى المنطقة.
من هنا، نجد أن هذا الأمر يستدعى مقاومة النفوذ التركى - الروسى النشط فى موسكو، ومصالح الشراكة القطرية مع روسيا فى مثلث إنتاج الغاز العالمى (روسيا - إيران - قطر) إلا بتنشيط حركة مصالح دول الاعتدال العربى وشرق المتوسط مع روسيا وتعظيم المنافع معها.
موسكو الآن، وليس واشنطن، و«بوتين» وليس «ترامب»، هما الآن - خلال 2020 - بوابة التأثير الرئيسية ونحن نواجه تهديداً إيرانياً فى الخليج أو تهديداً تركياً فى شرق المتوسط.