«السيسى» وأموال المصريين ومستقبلهم!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

نتأمل.. ويجب أن نتأمل فى مشاهد كثيرة تُجرى فى مصر ليس سببها بطبيعة الحال دعوات الرئيس السيسى للصحافة والإعلام فى القيام بواجباتهم لأننا وبكل فخر نعتقد أننا من بين القائمين بواجباتهم.. وليس سببها أيضاً كلام الرئيس فى دمياط من إصراره على إعادة معلومات وبيانات على المصريين، فى تكرار هادف يسعى لوضع الناس فى الصورة وإن كنا نسعى معه دائماً ليحفظ المصريون أرقام ما يجرى، ليتحصّنوا تماماً ضد إعلام الشر!

مصدر التأمل هو سبب آخر.. فى مجال آخر غير صناعة الأثاث ودمياط.. إذ يكفى التقليب ومراجعة أرقام كثيرة لنتوقف أمام بعضها.. منها رقم عن عشرات المليارات أنفقت وتُنفق وفق خطة استراتيجية عن تحلية مياه الشرب فى مصر.. والسؤال: ما الذى يدفع الرئيس السيسى فور توليه المسئولية ليستقطع من أموال المصريين هذه الحصة الكبيرة لهذه المشروعات؟ وما الذى يدفعه للاهتمام بمشروعات ستُؤتى ثمارها بعد سنوات طويلة أقربها من الآن بعد عامين، وما دخل الخدمة منها جاء بعد خمس سنوات من حُكم الرئيس؟ بمعنى مباشر.. لماذا لم يفكر الرئيس فى إنفاق هذه الأموال على مشروعات سريعة العائد تُرضى الناس فى عز شكواهم الفترة الماضية من ارتفاع الأسعار ورسوم الخدمات؟ أليس ذلك أسهل؟ أليس هذا كان طريقة سابقين بقوا فى السلطة سنوات طويلة باعوا ممتلكات المصريين وثروتهم فى مصانعهم وقطاعهم العام بثمن بخس لأجانب ومغامرين وقناصى فرص، ومعها تشريد ملايين المصريين؟ فى مقابل ترضيّات هنا وهناك، اكتشف الكثيرون زيفها فى لحظات الحقيقة، والنتيجة اليوم إعادة بناء كاملة لأغلب بنيتنا الأساسية؟ وحتى نعرف أهمية وأبعاد ما نقول، ينبغى النظر -والنظر أول الطريق للتأمل- إلى الأرقام التى هى حقيقة لا تكذب، بعدها سنجيب ونحاول أن نجيب عن الأسئلة السابقة.

ملخص القصة الكاملة يقول إن مصادر المياه الأساسية فى مصر هى النيل والأمطار والمياه الجوفية.. نتوقف عند مياه النيل، باعتبارها الأكبر والأهم، والتى يمكن قياسها وتحديدها والتعامل معها.. فبعد تأسيس دولة عصرية على أيدى أبناء الجيش العظيم عقب ثورة يوليو ووضع محدّدات للأمن القومى، جاءت مصادر المياه من بينها، مع محدّدات أخرى ظلت كما هى لليوم.

وتطلب ذلك تأمين حياة المصريين عبر أكثر من مستوى أولها تأسيس علاقات قوية مع أفريقيا عامة ودول حوض النيل خاصة وإثيوبيا على خصوص الخصوص.. ولذلك دعمت مصر كل حركات التحرّر فى أفريقيا وضد رغبة دول العالم الكبرى، إلا حركة واحدة هى حركة تحرير إريتريا، وذلك مراعاة لعلاقاتنا مع إثيوبيا!

أما حصة المصريين من مياه النيل، فحصلنا عليها قانوناً ومكتوبة فى معاهدة عام ٥٩، وهى الحصة التى بقيت لليوم! وبعد «عبدالناصر» تبدّلت الأمور، فلا أفريقيا كما كانت، ولا علاقاتنا مع إثيوبيا كما هى، ولا عدد السكان كما هو، ولا -طبعاً- احتياجات هؤلاء كما هى! رغم تضاعف عدد السكان أربع أو خمس مرات عن وقت توقيع المعاهدة!

هذا هو الحال باختصار الذى تسلم الرئيس السيسى مصر عليه عام ٢٠١٤ والباقى من تداعيات بناء سد النهضة نعرفه ويعرفه الجميع.. ومع رغبة الرئيس فى توجيه مسار أزمة سد النهضة إلى التعاون، بدلاً من التوتر والتصعيد فى أجواء تحتاج فيها مصر توجيه كل جهدها للبناء والتنمية، وأيضاً إفشالاً لسعى دول وأطراف إلى توريط مصر بأى شكل فى أى صراعات خارجية.. لكن إدارة ملف السد بهذا الشكل لم تكن سبباً للاطمئنان للمستقبل. ليس تشاؤماً من نهاية المطاف.. وإنما أملاً فى بناء مستقبل حقيقى للوطن لا يكون عرضة لأى هزات، ويكون كاملاً تحت هيمنة مصر! ومن هنا -فى ما نظن وليس كل الظن إثماً- جاءت فكرة التوسّع الكبير فى بناء محطات تحلية للبحر وللآبار وفق ظروف المناطق!

ووفقاً لأرقام رسمية منشورة، يصل عدد المحطات القائمة حالياً إلى 47 محطة فى محافظات شمال سيناء وجنوب سيناء ومطروح والبحر الأحمر، ويصل إجمالى الطاقة الإنتاجية لها إلى نحو 254860 متراً مكعباً يومياً، بينما إنتاجها فى عام 2014 كان يصل إلى 78860 متراً مكعباً يومياً فقط، بزيادة تصل إلى 176000 متر مكعب يومياً!

أهم محطات المياه التى انطلقت كانت محطة تحلية المياه بالعين السخنة، وهى أكبر محطة تحلية مياه فى العالم، ستُعالج 164 ألف متر مكعب يومياً توفرها للمنطقة الاستثمارية والصناعية بشمال غرب خليج السويس.. تليها محطة العلمين بطاقة 48 ألف متر مكعب، لتخدم عدداً كبيراً من السكان، وتساهم فى توفير المياه العذبة لمطروح على مساحة سكانية كبيرة، حيث تقوم محطة تحلية مياه البحر بمحافظة العلمين بمطروح بطاقة 48 ألف متر مكعب يومياً سوف تنفّذها الهيئة الهندسية فى زمن قياسى لا يتعدى 15 شهراً!

مصادر وزارة الإسكان تقول إنه يجرى الآن العمل فى ٢١ محطة جديدة بتكلفة تتجاوز الـ١٠ مليارات جنيه، ومصادر أخرى تؤكد أن المستهدف بحلول عام ٢٠٣٠ هو ٩٣ محطة، ربما من بينها محطات معالجة المياه، مثل التى جرى إطلاقها فى الجبل الأصفر، وربما عدد محطات التحلية فقط!

فى الحالتين، نقف أمام قيادة تبنى للمستقبل.. لا تنظر تحت أقدامها، ولا ترغب فى دغدغة مشاعر الناس والسلام.. إنما تنظر إلى الأمور وفق رؤية استراتيجية نفتقدها منذ عقود.. كان يمكن للرئيس السيسى أن تذهب الأموال إلى ما يُرضى الناس لحظياً.. وكان يمكنه أن يترك الأمور كما كانت وتذهب مياه النيل إلى هذه الأماكن الحدودية والبعيدة عبر مواسير المياه، وكلنا يعرف ما فى ذلك من فساد يبتلع نصف المخصّصات!

الخلاصة: نقف أمام رئيس يقدّم لشعبه مشروعات ربما تنتهى وقد أدى مهمته.. أو على الأقل قد تظهر نتائجها وقد انتهت مسئولياته.. لكنه رئيس يحكمه ضميره، ويحكمه حبه لشعبه، وتحكمه عقلية منظمة، تخطط أكثر مما تفعل أى شىء آخر..!