أهل الجنوب: العلاج وجلسات "الكيماوي" أهم دوافع التردد على مستشفيات العاصمة

كتب: رؤى ممدوح

أهل الجنوب: العلاج وجلسات "الكيماوي" أهم دوافع التردد على مستشفيات العاصمة

أهل الجنوب: العلاج وجلسات "الكيماوي" أهم دوافع التردد على مستشفيات العاصمة

تدور عقارب الساعة مشيرة إلى التاسعة صباحاً، وأمام المعهد القومى للأورام القريب من منطقة وسط القاهرة وعلى الرصيف المقابل لمستشفى علاج السرطان الأشهر فى ربوع الجمهورية، كانت نجلاء الدسوقى، التى تعانى من سرطان الدم، قد ألقت بجسدها الذى هدّه المرض فوق أحد الكراسى الخشبية لتتخلص من عناء السفر، فالمسافة الكبيرة التى قطعتها من محافظة بنى سويف وصولاً إلى المعهد كانت كفيلة بأن تجعلها تغط فى نوم عميق وسط زحام وصخب السيارات، فقد أجبرت على السفر من بنى سويف وحيدة دون الاستعانة بمرافق، مبررة ذلك بانشغال الجميع بحياتهم الخاصة.

تقول «نجلاء» إنه من الصعب أن يتفرغ أشقاؤها للسفر معها مرتين أسبوعياً لإجراء التحاليل داخل مختبرات المعهد أو لتلقى جلسة علاج الكيماوى: «باضطر أسافر القاهرة لوحدى عشان مفيش فى بنى سويف مركز لعلاج السرطان، وكل واحد عنده شغله وبيته وعياله، فمين هيعطل نفسه وييجى معايا كل مرة، يعنى فى أول تعبى كانوا بييجوا بس بعد كده بقيت بروح لوحدى».

"نجلاء": باسافر لوحدى عشان مفيش فى بنى سويف مركز لعلاج السرطان

عامان مرّا على معاناة «نجلاء» وبحثها عن العلاج والخلاص من المرض الخبيث بين أروقة معهد الأورام، بعد أن شعرت بآلام تداهم جسدها توجهت على أثرها إلى أحد المستشفيات الحكومية، حيث أجرت العديد من التحاليل والفحوصات: «إدونى مسكن لآلام العظام استعملته 5 شهور وماتحسنتش ورُحت بعدها لدكتور فى عيادة خاصة قالى الطحال متضخم ولما عملت تحاليل قالوا لى اعملى مسح ذرى واكتشفت إنى عندى سرطان فى الدم، وهو سبب كل الوجع اللى كنت بحس بيه»، تضيف أن عدم جاهزية المستشفيات بشكل كافٍ أدى إلى تشخيص خاطئ: «كان ممكن لو الألم اتسكن المرض يتطور عندى وما أكتشفهوش غير فى اللحظات الأخيرة»، بمجرد علمها بالمرض الخبيث قررت التوجه إلى معهد الأورام الذى يخدم مرضى مختلف المحافظات، رحلة «نجلاء» إلى المعهد كما ترويها تبدأ بالاستيقاظ فى تمام الرابعة فجراً، وتغادر المنزل فى الخامسة صباحاً، تستقل بعدها «ميكروباص» قريباً من منزلها على أطراف المدينة لتصل بعد ثلاث ساعات إلى العاصمة الصاخبة، لا تتجاوز مدة الانتظار خارج المعهد الساعة، تستغلها «نجلاء» فى قيلولة صغيرة قبل أن تدخل فى دوامة اليوم الطويل الذى لا تعلم متى سينتهى لتعود مرة أخرى إلى منزلها وتستعد لرحلة السفر الشاقة فى نهاية الأسبوع.

على مقربة من «نجلاء» كانت سامية جمال قد ترجلت للتو من أحد الميكروباصات، تلتقط أنفاسها على عجل وتخرج من كيسها البلاستيكى المتهالك قطعة قماش سوداء بالية تنفضها مرات عديدة قبل أن تفرشها على كومة من التراب والحصى، الناتج عن الترميمات التى يشهدها المعهد بعد الهجوم الإرهابى الذى وقع أمامه فى أغسطس الماضى، تستريح «سامية» قليلاً من عناء السفر بعد أن امتلأت المقاعد الخشبية القليلة بالزوار والمرضى، كانت «سامية» منهمكة فى ترتيب حقائب الزيارة التى امتلأت بأصناف متنوعة من الطعام، التى أخذت رائحتها الشهية تداعب الأنوف، بالإضافة إلى قطع عديدة من الملابس وبعض الصور الفوتوغرافية لأطفال لم تتجاوز أعمارهم 10 سنوات، ما إن انتهت السيدة الخمسينية من ترتيب أغراضها حتى شرعت فى هندمة ملابسها قبل أن تجلس على الفرشة رفقة سيدة أخرى تعرفت عليها بعد عدّة زيارات للمعهد، التى بدأتها قبل شهر ونصف.

تتناول السيدتان طعام الإفطار وتتبادلان الحديث، تلقى «سامية» نظرة سريعة على ساعة يدها، التى تشير إلى العاشرة صباحاً، فكانت بمثابة ناقوس يدق لتتوجه إلى الزيارة التى حل موعدها قبل ساعة، تتجه إلى بوابة المعهد لزيارة شقيقتها الصغرى التى أصبحت نزيلة بالمعهد منذ أسبوعين، فالورم الذى أصابها فى الثدى، والذى اكتشفته بالصدفة أثناء خضوعها للكشف المجانى بمبادرة رئيس الجمهورية فى محافظة أسيوط، كان كفيلاً بأن تشد «سامية» وشقيقتها رحالهما من محل إقامتهما فى أسيوط وصولاً إلى المعهد فى القاهرة مرتين أسبوعياً.

"سامية": بندفع 400 جنيه لعربية خاصة كل مرة

تقول «سامية» إن الأمر شاق ومرهق للغاية، خاصة فى الأيام التى تخضع فيها شقيقتها إلى جلسات العلاج الكيماوى: «مبتبقاش فى وعيها وبنضطر نقعد فى المعهد لحد بالليل عشان تفوق شوية وتقدر تقف على رجليها»، مشيرة إلى أنهما تضطران إلى ركوب القطار وذلك لارتفاع تكلفة سيارة الأجرة، وتضيف: «بندفع فى السفر فى حدود 400 جنيه لكن لو هناخد عربية خاصة الرقم هيعدى ومش هنقدر على تكلفتها، وأوقات كتير بنوصل البيت تانى يوم»، وتلقى «سامية» باللوم على الجهات الحكومية المسئولة عن توفير عيادات أو مراكز مجانية لمعالجة مرضى الأورام فى المحافظات البعيدة عن القاهرة شرط أن تكون بنفس كفاءة وتجهيزات المعهد.

وعلى سلالم قسم الأورام بمستشفى الدمرداش التابع لكلية طب جامعة عين شمس، كانت مديحة عبدالوهاب، إحدى سكان مدينة الأقصر، تنتظر دورها فى الكشف عند طبيب أورام الثدى الذى تتردد عليه منذ أشهر، كانت «مديحة» من بين عشرات المرضى الذين أخذوا أماكنهم للجلوس أمام العيادة حتى يحين دورها، مدة انتظار طويلة قد تتجاوز الـ4 ساعات تقضيها «مديحة» فى قراءة القرآن أو النوم بوضعية الجلوس.

أشهر قليلة مرت على ولادة «مديحة» طفلها الرابع، حتى فوجئت فى إحدى المرات أثناء إرضاعه أن ثمة ورماً صغيراً فى إحدى ثدييها، لكنها لم تلق لها بالاً: «ماهتمتش وقلت عادى هقرأ قرآن وأسرح الكولكيعة دى بالمشط وهتروح زى ما فى الأرياف عندنا بيعملوا»، لكنها فوجئت بعد مرور أسبوع بتضاعف حجم الورم، ما دفعها إلى التوجه لعيادة أحد الأطباء فى مدينتها، وبعد توقيع الكشف عليها صرف لها نوعاً من المضادات الحيوية: «قعدت آخد المضاد الحيوى شهرين وبرضه مفيش تحسن فقررت أوقفه»، توجهت بعدها لمستشفى الدمرداش بعد نصيحة من جارتها بالتوجه فوراً إلى قسم الأورام بالمستشفى، وبمجرد الفحص المبدئى تبين أن هناك ورماً، وتأكدت الشكوك بعينة من الثدى، ووجب البدء بشكل عاجل فى جلسات العلاج بالكيماوى فى القسم المخصص لها فى المستشفى حتى يتمكن الطبيب بعدها من استئصال الثدى المصاب.

كان وقع الخبر ثقيلاً وصادماً على «مديحة»، ما دفعها إلى الدخول فى نوبة بكاء: «لما عرفت بمرضى مبقتش عارفة بعيط عشان التعب اللى عندى وولادى مين هياخد باله منهم ولا عشان فلوس المواصلات اللى مش عارفة هجيبها منين، كل مرة هسافر فيها القاهرة واحنا مش ناقصين مصاريف».

يعمل زوج «مديحة» باليومية لكنه أصبح ملازماً منزله بعد تعرضه لحادث قبل فترة قصيرة بسقوطه من أعلى بناية تحت الإنشاء أجرى على أثرها عملية جراحية فى ساقيه، بينما تعمل «مديحة» عاملة نظافة فى إحدى المدارس الخاصة بالأقصر وتتقاضى مبلغاً بسيطاً للغاية، بالكاد يكفى الطعام والشراب لها ولصغارها: «لما عيل بيجيله دور برد بعالجه بالطرق الشعبية عشان مضطرش أروح أشترى دواء».

"مديحة": "ماعرفش باعيط عشان تعب المرض ولا عشان فلوس المواصلات"

تضطر «مديحة» إلى السفر إلى القاهرة ثلاث مرات شهرياً قبل جلسة الكيماوى التى تخضع لها كل 21 يوماً، حيث تجرى فى المرّة الأولى التحاليل والأشعات اللازمة، وفى المرّة الثانية يفحصها الطبيب للتأكد من جاهزيتها للتعرض للعلاج الكيماوى بسبب إصابتها بمرض السكر، وفى الثالثة يكون قد حل ميعاد الجلسة التى تستغرق من ساعتين إلى 4 ساعات: «بسبب إنى مريضة سكر فالدكاترة بيحتاجوا الأول يظبطوه وأحياناً باضطر آخد أنسولين وأعلق محاليل قبل الجلسة وده اللى بيخلينى آخد وقت».. وتقول إنها بعد انتهاء الجلسة لا تستطيع الحركة ولذلك تستعين بشقيقيها: «مابخليهومش ييجوا معايا غير يوم الكيماوى بس عشان مابكونش قادرة أقف على رجلىّ، لكن فى الأيام اللى قبلها بروح لوحدى عشان المصاريف»، مشيرة إلى أنها بعد الجلسة تضطر إلى تأجير سيارة خاصة تستقلها من أمام المستشفى وصولاً إلى منزلها بالأقصر: «العربية بتقطم ضهرى فى أجرتها وإخواتى بيساعدونى فيها والمدرسين فى المدرسة بيراضونى وربنا بيسترها».

الأمهات: "مفيش مستشفى أطفال فى أسيوط"

ثلاثة أعوام مرّت على إصابة أمانى، 6 سنوات، بسرطان الدم، لم يرحم المرض جسدها الصغير فباغتها بهجومه المفاجئ فى سنوات عمرها الأولى، لحظات انهيار والدتها، التى فضلت عدم نشر اسمها، لم تدم طويلاً بعدما وقع الخبر عليها كالصاعقة، لكن سرعان ما استجمعت السيدة قواها لمواجهة المرض اللعين الذى حل بابنتها: «كانت لحظات صعبة جداً لما عرفنا أنا وباباها إنها عندها سرطان، يعنى كده مش هتعرف تعيش طفولتها».

بدأت رحلة العلاج وبعد عام واحد مات الأب فأكملت الأم المسئولية وحدها فى علاج ابنتها.. سافرت «أمانى» إلى القاهرة نظراً لانعدام وجود مستشفى لعلاج السرطان فى أسيوط، وحملتها والدتها لمستشفى «سرطان الأطفال 57357» بعد نصيحة من أحد أقاربها: «قالوا لنا المستشفى دى حلوة ونضيفة وفيه أطفال زى بنتى وخفت وكل حاجة ببلاش»، إلا أن عدم وجود أسرّة متاحة أجبر الأم على حملها مرة أخرى والتوجه بها إلى المعهد القومى للأورام: «ماكانش فيه أماكن فاضية فى المستشفى والبنت بتتألم وكان لازم نتصرف قبل ما نخسرها».

تفاصيل رحلة العلاج تقول عنها والدتها إنها مكلفة، حيث تضطر «أمانى» إلى السفر شهرياً من محل إقامتهما بقرية المسعودى بأسيوط لتلقى جرعة الكيماوى داخل إحدى غرف معهد الأورام، بعد جلسة الكيماوى لا تقوى الطفلة على الوقوف أو المشى بمفردها، حيث تحملها والدتها دوماً فوق كتفيها: «من هدة المرض يا حبة عينى مبتقدرش تمشى لازم حد يسندها، وأول ما بتاخد الجلسة مبتعرفش تقف وبنشيلها»، وتضيف: «ياريت يعملوا مستشفى لسرطان الأطفال هنا عشان مش عارفين هنلاقيها منين ولا منين».


مواضيع متعلقة