«حياد» الإعلام الغربى: «كل شِىءٍ انكشفن وبان»

«حياد» الإعلام الغربى: «كل شِىءٍ انكشفن وبان»
«حياد الإعلام الغربى»، عبارة براقة صُنعت ببراعة وانطلت على الكثيرين فى عالمنا العربى، حتى بدا وكأن كل وكالات الأنباء والقنوات الفضائية مجرد هيئات خيرية تجند كتابها وتسخر أقلامها وترصد ميزانيات تعادل الدخل القومى لبعض الدول، لتنقل ما يجرى فى العالم بمنتهى الصدق والحيادية، هكذا كان يعتقد المخدوعون، لكن الثورات، كما يقولون، تبدو كاشفة، وربما فاضحة، لمن يتجاهلون إرادة الشعوب ولا يرون فى مشاهد الملايين الذين خرجوا فى ثورة أبهرت العالم سوى «انقلاب»، ما دام ذلك لا يصب فى صالحهم، أما الإرهاب والعنف اللذان يمارسهما الإخوان، كما يتنفسون، فهما مظاهرات سلمية للتعبير عن الرأى.
منذ الاحتلال البريطانى، لم يثق المواطن المصرى بإعلام بلاده قدر ثقته بالإعلام الأجنبى، فكان حريصاً على متابعة البرامج الإخبارية الخاصة بهيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى» عوضاً عن الإذاعة المصرية، رغم تبعية الأولى للمحتل البريطانى، وتزايدت موجة عدم الثقة بعد ثورة يوليو 1952 وسيطرة الدولة على وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة، وبدا ذلك جلياً عقب نكسة 1967 بسبب البيانات المضللة والأخبار الكاذبة التى بثت عن طريق الإذاعات والصحف المصرية، وهو ما عمّق فكرة الإعلام الموجه، ودفعت كل تلك العوامل المصريين إلى النظر لكل ما هو قادم من الغرب على أنه «القدوة والمثل»، واستمرت أكذوبة «حياد الإعلام الغربى» خلال عهد الرئيس الأسبق أنور السادات.
البروفيسور الأمريكى آشال مهرا، أستاذ الصحافة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار بهولندا، اتهم الإعلام الغربى بأن تغطيته الإخبارية صنعت من السادات «وغداً» بدلاً من أن تبرزه كبطل، وانتقد فى مقال له بمجلة المعهد، نُشر عام 1982، الإعلام الغربى لوصفه «السادات» بالديكتاتور واتهامه بجنون العظمة بعد لجوئه لاعتقال بعض رموز الإخوان والتيارات الإسلامية، وما إن هدأت الحملة الغربية على «السادات»، إلا وكان حادث المنصة الذى أودى بحياته وأثبت صحة وجهة نظره بأن تلك الجماعات تهدف إلى تقويض الاستقرار.
وخلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، استمرت سيطرة الدولة بعض الشىء على وسائل الإعلام، وظلت الصحف القومية كما هى تتخذ نفس المسار الذى اتخذته منذ عقود، فأصبح كل مؤتمر يعقده الرئيس «مؤتمرا عالميا» ما دفع بعض التيارات السياسية إلى ترويج أكذوبة «حياد الإعلام الغربى»، والتدليل بأنه ليس مسموحاً بانتقاد شخص رئيس الجمهورية والحديث عن عائلته، وهو ما يتمثل فى تعليق المحلل الأمريكى، توماس فريدمان، على سياسات «مبارك»، قائلاً: «النظام المصرى لم يعد لديه من هو قادر على إقناع الجمهور المصرى أو العربى أو العالمى سوى الرئيس مبارك ونجله السيد جمال».
ولم تكن مصادفة أن يبرز «فريدمان» بعد تنحى «مبارك» ويعرب عن انبهاره من النضج السياسى الذى يتمتع به أعضاء «الإخوان»، مدعياً أنه يحكم بما يرى وليس بما يسمع، ودعا لانتخاب محمد مرسى رئيساً، لتقع المفارقة الحقيقية بعد أن بدأ نظام الإخوان فى الانهيار من خلال تنصل «فريدمان» من الجماعة، قائلاً: «مرسى عندما يقول إن الثورة قد سُرقت، يبدو كلص يستنجد بالشرطة». وصنعت تيارات بعينها أكذوبة «حياد الإعلام الغربى» وصدقتها بعد ذلك، وآمنت بها، ولم يكن سقوط القناع عن تلك الأكذوبة بسقوطه عن الأشخاص والمحللين فقط، وإنما عن وسائل إعلام عالمية ادعت الحيادية فى كل ما تنقله، ولعل أبرز مثال على ذلك، هو وكالة أنباء «رويترز»، التى تنقل منذ ثورة «25 يناير» كل ما فيه تأييد لـ«الإخوان» فقط، وتضع تحليلاتها الخاصة على الأخبار التى تنقلها فتظهرهم وكأنهم أفضل فصيل يمكنه الحكم وإخراج البلاد من أزمتها السياسية.
أما صحيفة «واشنطن بوست»، التى تعبر عن دوائر السياسة ورأس المال فى الولايات المتحدة، فكانت من أبرز وسائل الإعلام التى ضربت بأكذوبة «حياد الإعلام الغربى» عرض الحائط، ولم تنتبه إلى أن المواطن المصرى العادى كغيره فى أنحاء العالم ينظر إلى الاحتجاجات الجماهيرية على أنها أداة شرعية لتغيير النظام مثل الانتخابات، كما انتقدت مجلة «فرونت بيدج» الأمريكية انحياز الإعلام الغربى لـ«الإخوان» طوال الفترة التى تلت ثورة 25 يناير وحتى الآن، مؤكدة أنه يفضل النموذج الإخوانى لحكم مصر.
ولم تسلم شبكة «سى إن إن» الإخبارية الأمريكية من الوقوع فى فخ الانحياز لـ«الإخوان»، وهو ما دفع كُتاباً أمريكيين إلى انتقادها بشكل واسع لتجاهلها ثورة المصريين ضد حكمهم، وتساءل الكاتب الأمريكى مات ويلشتاين: كيف يتابع الأمريكيون أخبار الاضطرابات فى مصر إذا كانت «سى إن إن» تُظهر مشاهد المظاهرات المليونية فى مربع صغير فى الشاشة؟ ولكل هذا بدأ يتكشف للرأى العام المصرى حقيقة أن مقولة «الإعلام الغربى حيادى» ما هى إلا مقولة واهية، لارتكازه على المصالح ورأس المال والتوجهات السياسية التى تمول تلك الصحف والوكالات.