لمة القهوة

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

قليلة تلك الأشياء التى تمنحنى البهجة فأنا ابن بار لثقافة الحزن الضاربة جذورها فى أعماق تاريخ المصريين.

هى قليلة حقاً لكنها بسيطة أيضاً، ومن بينها «لمة القهوة» الأسبوعية مع أصدقاء الطفولة ورفقاء الصبا، ومصدر البهجة فيها ليس فقط الحنين لسنوات خلت كنا فيها أكثر براءة نحمل قلوبنا على أكفنا وتسبقنا أحلامنا، وليس فقط الشوق لـ«مسقط الرأس» بتفاصيل جغرافيته العصية على التغيير أو الاشتياق لتاريخ تحفظه البيوت البسيطة والحوارى الضيقة.

البهجة هنا بديعة كقطعة أرابيسك تزين أروقة مساجد حيّنا، طازجة كحبات التوت التى كنا نلتقطها من شجرة مدرستنا.

حيّنا تصدح فى أرجائه أصوات المؤذنين فى الصلوات الخمس، إذ يحرسه من الشرق مسجد السلطان برقوق بساحته المفتوحة على السماء، ومن الغرب مسجد السلطان قايتباى بمئذنته التى لا تضاهيها مئذنة، وبينهما مسجد السلطان الأشرف المطلة شرفاته على الربع الكبير.

حيّنا لا يعرف النوم إلا قليلاً ومقاهيه الشعبية التى يتجاوز عمر الواحد منها العقود التسعة، مشرعة أبوابها كبرلمان شعبى لا تتوقف جلساته.

حيّنا يحب أبناءه ويحبه أبناؤه.

قبل أن يطل شهر رمضان بجماله وجلاله تمتد زينة مختلفة ألوانها لتمنح البيوت والحوارى ألقاً رمضانياً مبهجاً.

وفى عيدَى الميلاد والقيامة تجمعنا بيوت الأصدقاء المسيحيين ندخلها مهنئين بالعيد ومحتفلين بدوام المحبة والسلام بيننا.

تخلفت هذا الأسبوع عن مصاحبة الأصدقاء إلى منزل الصديقين نبيل وصفوت عياد للتهنئة بعيد القيامة، وأعرف أنهما سامحانى على هذا الغياب، وعزائى أننا سنلتقى فى «لمة القهوة» الأسبوعية.

مع ميلاد هلال شهر رمضان فى كل عام يتولى نبيل وصفوت تنظيم حفل إفطار سنوى لمجموعة من الأصدقاء، يتصلان بنا، يجمعان قيمة المشاركة فى الإفطار ويتوليان الإشراف على التنفيذ.

وفى كثير من الأحيان وإن صادف أحد أبناء الحى مشكلة أو واجه أزمة يتوليان جمع ما تيسر للمساعدة.

وجودهما وغيرهما من الأصدقاء المسيحيين من أبناء الحى يجسد فكرة ويرسخ قيمة ويضرب المثل على قوة وتماسك نسيجنا الوطنى دون ضجيج.

فى حيّنا جمعية الكرمة القبطية التى كانت تفتح أبوابها لأبناء الحى لتلقى دروس التقوية والمشاركة فى الأنشطة دون تمييز وكانت عيادتها تقدم العلاج للجميع دون تفرقة. «جرجس» كان صديقاً لأخى الأكبر «ثروت»، كان ثالث ثلاثة «ثروت وبدر وجرجس»، واعتدت رؤيتهم معاً فى سنوات طفولتى، وكان إخوانه وأخواته بمثابة الأشقاء والشقيقات لنا جميعاً.

أما إلهام مسعود فكانت صديقة مقربة من أختى «عزة» وكان أبوها وعمها صديقين لوالدى، أما أنا فما زلت أذكر رفيق المدرسة الابتدائية أكرم مسعد عوض نخلة ووالده صاحب المكتبة الأنيقة التى تحمل اسم كريمته الكبرى «نانى».

أتذكر عم وليام البقال وأبناءه وبناته، وعم فاخورى وأسرته ما زلت أذكر «أنسى ووجدى» ساكنى منزل عم فارس والد أحد أعز أصدقائى، وأتذكر ميلاد وهانى وابنى عمهما الأسطى مسعود المنجد الأفرنجى الأشهر فى حينا.

أتذكر هانى مكرم عزيز صديق سنوات الشباب الأولى ومساجلاته اللطيفة مع وليد سمير وشريف فؤاد وسمير حنفى.

طويلة هى القائمة وكثيرة هى المواقف ورائعة هى المعانى التى تجسدها، وإذ لا مجال لذكر الجميع فلا أقل من أن أذكركم بأن البهجة فى حيّنا بهجة مصرية خالصة لا تعرف التمييز بين أبنائها، وحين حاول البعض «هداهم الله» التفرقة وزرع الفتنة فى شهور صعبة أعقبت ثورة يناير، كان هناك من تصدى وأعاده وأعاد حيّنا إلى جادة الصواب وروح المحبة القادرة على حمل الجميع على تجاوز الخلافات.

صحيح أن حيّنا كغيره من الأحياء لا يخلو ممن ينغص على الناس حياتهم بسلوك معوج أو خلق غير قويم، إلا أنه ورغم أى شىء يبقى أحد مصادر البهجة وأسبابها وتبقى «لمة القهوة» الأسبوعية لوحة مختلفة الألوان متباينة المستويات عميقة المعانى والدلالات.