ثالوث الإحباط الجمعى

محمود مسلم

محمود مسلم

كاتب صحفي

الشباب المصرى مظلوم فكرياً، حيث يتعرض لأكبر حملة تشويش فى التاريخ بقيادة جماعة الإخوان الإرهابية الخائنة، ولا توجد حتى الآن خطة لمواجهة هذا التلوث الفكرى الذى يصيب الشباب، وخاصة عبر السوشيال ميديا والإنترنت.. هناك جهود فردية -أو بالمعنى الأدق- ليست مكتملة وغير مؤسسية، لكن الأمور تحتاج إلى استراتيجية كاملة ومستمرة للحوار، لأن عمليات التشويش لا تتوقف لحظة.

قد يكون الشباب المصرى محظوظاً خلال هذه الفترة، لأنه وجد نظاماً يبنى للمستقبل ويعطى فرصاً كبيرة لهم، سواء فى التدريب أو العمل أو الترقى أو حتى السفر للخارج للتعلم، لكن لا يجب ترك دماغ الشباب للأهواء والتيارات الفكرية المغرضة.

سافرت الأسبوع الماضى إلى سوهاج فى ندوة عن «دور الشباب فى تنمية المستقبل»، وبعيداً عن سعادتى بأننى بين أهلى وناسى، لكننى سعدت أكثر بمسار الحوار، حيث طرح طلاب الجامعة كل الأسئلة بلا سقف، وهو ما شجعت عليه النائبة المتميزة والواعية منال ماهر، مدير مؤسسة «آل قرة».. تنوعت أسئلة الشباب ما بين السياسة والرياضة والفن، ومواجهة الإرهاب، والإعلام والشئون الخارجية، حتى قضية «إعدام قتلة النائب العام»، والتعديلات الدستورية، لكن ما لفت نظرى تكرار الكلام حول المحسوبية وعدم وجود فرص للشباب، خاصة الفقراء، وتغافل تنمية الصعيد.. وقد أجبتُ على الشباب بأن هذه المشاكل تم توارثها كأيقونات يرددها الشباب دون تفكير، بدليل أن هناك وزيراً فى الحكومة الحالية يفتخر أن والده خفير، وهو د. محمد معيط وزير المالية، وأن الشباب يتولى مناصب مهمة، وضربت أمثلة فى سوهاج نفسها بالمحافظ الحالى والنشط د. أحمد الأنصارى، ورئيس الجامعة د. أحمد عزيز، ووكيل وزارة الصحة هناك د. هانى جميعة، الذى كان حاضراً فى الندوة، ولا أعتقد أن أياً منهم له وساطة أو محسوبية، كما أن الصعيد يحظى الآن بنصيب واسع فى خطط التنمية، ولا أعتقد أن هناك قرية مصرية لم تدبّ فيها مشروعات لتنميتها خلال الخمس سنوات الماضية، من خلال برامج عدة، سواء حكومية أو المجتمع المدنى أو المؤسسات الدولية.

وقلتُ أيضاً: هذا لا يعنى أن الصورة وردية، ولا توجد مشاكل، لكن لا تسمحوا للمغرضين أن يصلوا بكم إلى «حالة الإحباط الجمعى» التى تحدث عنها الرئيس السيسى من قبل، عبر ذلك الثالوث المدمر الذى يلعب على أن مصر للأغنياء وأصحاب الوساطة وللمدن الكبرى وليست للقرى والأكفاء والفقراء.

وذكرت أن استراتيجية الدولة تقوم الآن على دعم الشباب، وأن الكفاءة هى المعيار الأول للاختيار، والصعيد محل تقدير واهتمام، ولكن من المؤكد أن هناك خروقات لهذه التوجهات سيتم القضاء عليها بمرور الوقت، وأن يتظلَّم الشباب منها لا أن يصمت.

لا يستطيع أحد تحميل الإعلام وحده مسئولية المواجهة، فالإعلام يتميز فى نشر المعرفة، لكن وفقاً للنظريات العلمية، فإن الاتصال المباشر هو الأجدر على إحداث التأثير وتغيير القناعات والسلوكيات، وهذا يستلزم تضافر الجهود فى وزارات التعليم والتعليم العالى والشباب والثقافة، والمؤسسات الدينية، وخلق آليات قوية للحوار الدائم مع الشباب.

مما لا شك فيه أن طلاب جامعة سوهاج أكثر وعياً، وأن حضور الندوة تميزوا بالأسئلة العميقة والجريئة، ولديهم قدر كبير من الوطنية والإحساس بالمسئولية تجاه بلدهم، وأن هناك حركة تنمية داخل الجامعة وخارجها فى نطاق محافظة سوهاج، ولكن الحوار مع الشباب بانطلاق أصبح ضرورة بدلاً من تركهم فريسة للتشويش والإحباط الجمعى.